عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
112
اللباب في علوم الكتاب
بِجَناحَيْهِ » « 1 » لأن القلوب لا تكون في غير الصدور ، أولها معنى زائد كما قال الزمخشري : الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى في الحقيقة مكانه البصر ، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها ، واستعماله في القلب استعارة ومثل ، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار ، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى « 2 » هو القلوب لا الأبصار كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك . ( فقولك : الذي بين فكيك ) « 3 » تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير ، وكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة مني ولا سهوا ، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا « 4 » . وقد رد أبو حيان على الزمخشري قوله : تعمدت به إياه ، وجعل هذه العبارة عجمة من حيث إنه فصل الضمير ، وليس من مواضع فصله ، وكان صوابه أن يقول تعمدته به . كما تقول : السيف ضربتك به ، لا ضربت به إياك « 5 » . وقد تقدم نظير هذا الرد والجواب عنه بما أجيب عن قوله تعالى : « يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ » « 6 » « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ » « 7 » وهو أنه مع قصد تقديم غير الضمير عليه لغرض يمنع اتصاله . قال شهاب الدين : وأي خطأ في مثل « 8 » هذا حتى يدعي العجمة على فصيح شهد له بذلك أعداؤه وإن كان مخطئا في بعض الاعتقادات مما لا تعلق له بما نحن بصدده « 9 » . وقال ابن الخطيب : وعندي فيه وجه آخر « 10 » ، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ » « 11 » ، وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ ، فاللّه تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر « 12 » . وفي محل العقل خلاف مشهور ، وإلى الأول مال ابن عطية قال : هو مبالغة كما تقول : نظرت إليه بعيني ، وكقوله : « يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ » « 13 » « 14 » . وقد تقدم أن في قوله : « بأفواههم » فائدة زيادة على التأكيد .
--> ( 1 ) من قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] . ( 2 ) العمى : سقط من ب . ( 3 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 4 ) الكشاف 3 / 36 . ( 5 ) البحر المحيط 6 / 378 . ( 6 ) [ الممتحنة : 1 ] . ( 7 ) [ النساء : 31 ] . ( 8 ) في : سقط من الأصل . ( 9 ) الدر المصون 5 / 77 . ( 10 ) آخر : سقط من ب . ( 11 ) [ ق : 37 ] . ( 12 ) الفخر الرازي 23 / 46 . ( 13 ) من قوله تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ [ آل عمران : 167 ] . ( 14 ) تفسير ابن عطية 10 / 299 ، وفيه الآية مقدمة على المثال . والآية فيه بِأَفْواهِكُمْ من قوله تعالى : وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [ النور : 15 ] ، ومن قوله تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [ الأحزاب : 4 ] .