أحمد بن علي الطبرسي

87

الاحتجاج

كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها ، وفي تركها فساد بين للمولود والأم ، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم ، وكان قادرا يوم دبر خلق الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول ، وكذلك الشعر من الشارب والرأس ، يطول فيجز ، وكذلك الثيران خلقها الله فحولة ، وإخصاؤها أوفق ، وليس في ذلك عيب في تقدير الله عز وجل . قال : ألست تقول : يقول الله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) وقد نرى المضطر يدعوه فلا يجاب له ، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره ؟ قال : ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له ، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه ، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له ، وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه ، أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه ، وإن لم يكن الأمر الذي سأل العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه ، والمؤمن العارف بالله ربما عز عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ ، وقد يسأل العبد ربه هلاك من لم ينقطع مدته أو يسأل المطر وقتا ولعله أوان لا يصلح فيه المطر ، لأنه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه ، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا . قال : أخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد ، ولا يصعد من الأرض إليها بشر ، ولا طريق إليها ، ولا مسلك ، فلو نظر العباد في كل دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية ، وأنفى للشك وأقوى لليقين ، وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا إليه يصعد الصاعد ، ومن عنده يهبط الهابط . قال : إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء ، ومنها يظهر ، أما ترى الشمس منها تطلع ، وهي نور النهار ، وفيها قوام الدنيا ، ولو حبست حار من عليها ، وهلك ، والقمر منها يطلع ، وهو نور الليل ، وبه يعلم عدد السنين والحساب ، والشهور والأيام ، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير ، وفي السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر ، والبحر ، ومن السماء ينزل الغيث الذي فيه