أحمد بن علي الطبرسي

85

الاحتجاج

عمله ، ولا جرم سلف منه . قال : إن المرض على وجوه شتى : مرض بلوى ، ومرض عقوبة ، ومرض جعل علة للفناء ، وأنت تزعم أن ذلك من أغذية ردية ، وأشربة وبية ، أو من علة كانت بأمه ، وتزعم أن من أحسن السياسة لبدنه ، وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل من النافع ، لم يمرض ، وتميل في قولك إلى من يزعم : أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب ! قد مات أرسطا طاليس معلم الأطباء ، وإفلاطون رئيس الحكماء ، وجالينوس شاخ ودق بصره ، وما دفع الموت حين نزل بساحته ، ولم يألوا حفظ أنفسهم ، والنظر لما يوافقها ، كم مريضا قد زاده المعالج سقما ، وكم من طبيب عالم ، وبصير بالأدواء والأدوية ماهر مات وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا . فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته وحضور أجله ، ولا هذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخر الأجل . ثم قال عليه السلام : إن أكثر الأطباء قالوا : إن علم الطب لم تعرفه الأنبياء ، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج الله على خلقه ، وأمناءه في أرضه ، وخزان علمه ، وورثة حكمته ، والأدلاء عليه ، والدعاة إلى طاعته ؟ ثم إني وجدت أن أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء ، ويكذب الكتب المنزلة عليهم من الله تبارك وتعالى ، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه . قال : فكيف تزهد في قوم وأنت مؤدبهم وكبيرهم ؟ قال عليه السلام : إني رأيت الرجل الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه ، وتأليف بدنه ، وتركيب أعضائه ، ومجرى الأغذية في جوارحه ، ومخرج نفسه وحركة لسانه ، ومستقر كلامه ، ونور بصره ، وانتشار ذكره ، واختلاف شهواته ، وانسكاب عبراته ، ومجمع سمعه ، وموضع عقله ، ومسكن روحه ، ومخرج عطسته ، وهيج غمومه ، وأسباب سروره ، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم ، وغير ذلك ، لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها ، وعلل فيما بينهم جوزوها .