أحمد بن علي الطبرسي

80

الاحتجاج

قال : فلأي علة خلق الخلق وهو غير محتاج إليهم ، ولا مضطر إلى خلقهم ، ولا يليق به التعبث بنا ؟ قال : خلقهم لإظهار حكمته ، وإنفاذ علمه ، وإمضاء تدبيره . قال : وكيف لا يقتصر على هذه الدار فيجعلها دار ثوابه ، ومحتبس عقابه ؟ قال : إن هذه الدار دار ابتلاء ، ومتجر الثواب ، ومكتسب الرحمة ، ملئت آفات ، وطبقت شهوات ، ليختبر فيها عبيده بالطاعة ، فلا يكون دار عمل دار جزاء . قال : أفمن حكمته أن جعل لنفسه عدوا ، وقد كان ولا عدو له ، فخلق كما زعمت ( إبليس ) فسلطه على عبيده يدعوهم إلى خلاف طاعته ، ويأمرهم بمعصيته وجعل له من القوة كما زعمت ما يصل بلطف الحيلة إلى قلوبهم ، فيوسوس إليهم فيشككهم في ربهم ، ويلبس عليهم دينهم ، فيزيلهم عن معرفته ، حتى أنكر قوم لما وسوس إليهم ربوبيته ، وعبدوا سواه ، فلم سلط عدوه على عبيده ، وجعل له السبيل إلى إغوائهم ؟ قال : إن هذا العدو الذي ذكرت لا تضره عداوته ، ولا تنفعه ولايته ، وعداوته لا تنقص من ملكه شيئا ، وولايته لا تزيد فيه شيئا ، وإنما يتقى العدو إذا كان في قوة يضر وينفع ، إن هم بملك أخذه ، أو بسلطان قهره ، فأما إبليس فعبد خلقه ليعبده ويوحده ، وقد علم حين خلقه ما هو وإلى ما يصير إليه ، فلم يزل يعبده مع ملائكته حتى امتحنه بسجود آدم ، فامتنع من ذلك حسدا ، وشقاوة غلبت عليه ، فلعنه عند ذلك ، وأخرجه عن صفوف الملائكة ، وأنزله إلى الأرض ملعونا مدحورا فصار عدو آدم وولده بذلك السبب ، ما له من السلطنة على ولده إلا الوسوسة ، والدعاء إلى غير السبيل ، وقد أقر مع معصيته لربه بربوبيته . قال : أفيصلح السجود لغير الله ؟ قال : لا . قال : فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ؟