أحمد بن علي الطبرسي
29
الاحتجاج
فما ذنبنا أن جاش دهر بحورنا * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا ( 1 ) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا : حسبك يا بنت الطيبين ! فقد أحرقت قلوبنا ، وأنضجت نحورنا ، وأضرمت أجوافنا ، فسكتت عليها وعلى أبيها وجدها السلام خطبة زينب بنت علي بن أبي طالب بحضرة أهل الكوفة في ذلك اليوم تقريعا لهم وتأنيبا . عن حذيم بن شريك الأسدي ( 2 ) قال لما أتى علي بن الحسين زين العابدين بالنسوة من كربلاء ، وكان مريضا ، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب ، والرجال معهن يبكون . فقال زين العابدين عليه السلام - بصوت ضئيل وقد نهكته العلة - : إن هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم ، فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام إلى الناس بالسكوت . قال حذيم الأسدي : لم أر والله خفرة قط أنطق منها ، كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي عليه السلام ، وقد أشارت إلى الناس بأن انصتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس ، ثم قالت - بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل ( 3 ) والغدر ، والخذل ! ! ألا فلا رقأت العبرة ( 4 ) ولا هدأت الزفرة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد
--> ( 1 ) الدعامص - جمع دعموص - وهو : دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء ، والبيت للأعشى . ( 2 ) حذيم بن شريك الأسدي : عده الشيخ في رجاله ص 88 من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليه السلام . ( 3 ) الختل : الخداع . ( 4 ) رقأت : جفت .