عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

83

اللباب في علوم الكتاب

وليس المعنى تشبيههم بالبدء ، إنّما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدىء ، فتقدير « كما بدأكم تعودون » : كما بدأ خلقكم أي : يحيي خلقكم عودا كبدئه ، وكما أنّه لم يعن بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه ، كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو [ « الخلق » فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل ، فصار الفاعلون مخاطبين . كما أنه لما حذف المضاف ] « 1 » من قوله : « كما بدأ خلقكم » صار المخاطبون مفعولين في اللفظ قال شهاب الدين « 2 » : يعني أنّ الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم ، فحذف « الخلق » في الموضعين وصار المخاطبون في الأوّل مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضا وفي الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة . و « بدأ » بالهمز أنشأ واخترع ، ويستعمل بهذا المعنى ثلاثيا ورباعيا على « أفعل » فالثلاثيّ كهذه الآية ، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ [ العنكبوت : 20 ] فهذا من « أبدأ » ثم قال : كيف بدأ الخلق ، هذا فيما يتعدى بنفسه . وأما ما يتعدّى بالباء نحو : بدأت بكذا بمعنى قدّمته وجعلته أوّل الأشياء ، يقال منه : بدأت به وابتدأت به . وحكى الرّاغب أيضا أنّه يقال من هذا : أبدأت به على « أفعل » وهو غريب . وقولهم : أبدأت من أرض كذا أي : ابتدأت منها بالخروج والبدء السيد سمي بذلك ؛ قيل : لأنه يبدأ به في العد إذا عدّ السّادات وذكروا عليه قوله : [ الوافر ] 2450 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم تجبنه « 3 » أي جئت قبور قومي سيّدا ولم أكن سيّدا ، لكن بموتهم صيّرت سيّدا ، وهذا ينظر لقول الآخر : [ الكامل ] 2451 - خلت الدّيار فسدت غير مسوّر * ومن العناء تفرّدي بالسّؤدد « 4 » و « ما » مصدريّة ، أي : كبدئكم . فصل في معنى « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » قال ابن عبّاس : إنّ اللّه بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، كما قال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا « 5 » .

--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 258 . ( 3 ) ينظر البيت في الهمع 2 / 57 ، المغني 1 / 80 ، الصاحبي 219 ، الأشموني 4 / 6 ، اللسان « لمم » ، الخزانة 10 / 113 ، الدر المصون 3 / 258 . ( 4 ) ينظر البيت في شرح الحماسة 2 / 708 ، أمالي المرتضى 1 / 388 ، الدر المصون 3 / 258 . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 465 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 144 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم .