عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
73
اللباب في علوم الكتاب
أبويكم . ويجوز أن يكون التّقدير : لا يخرجنّكم بفتنته إخراجا مثل إخراج أبويكم . و « أبويكم » واحده أب للمذكّر ، وأبة للمؤنّث ، فعلى هذا قيل « أبوان » . فصل في دحض شبهة من نسب المعاصي إلى اللّه قال الكعبيّ : هذه حجّة على من نسب المعاصي إلى اللّه تعالى ؛ لأنه تعالى نسب خروج آدم وحوّاء ، وسائر وجوه المعاصي إلى الشّيطان ، وذلك يدلّ على أنّه تعالى [ بريء عنها ، فيقال له : لم قلتم إنّ كون هذا العمل منسوبا إلى الشّيطان يمنع من كونه منسوبا إلى اللّه تعالى ؟ ] « 1 » ولم لا يجوز أن يقال إنّه تعالى لمّا خلق القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل كان منسوبا إلى اللّه ؟ ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الدّاعية بعد تزيين الشيطان وتحسينه تلك الأعمال ، عند ذلك الكافر ، كان منسوبا إلى الشّيطان ؟ فصل في إخراج آدم من الجنة عقوبة له ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى إنّما أخرج آدم وحوّاء من الجنة ، عقوبة لهما على تلك الزّلّة ، وظاهر قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] يدلّ على أنّه تعالى خلقهما لخلافة الأرض ، فأنزلهما من الجنّة إلى الأرض لهذا المقصود ، فكيف الجمع بين الوجهين ؟ وجوابه : ربما قيل حصل بمجموع الأمرين ، وأنّه خلقه ليجعله خليفة في الأرض ، وجعل سبب نزوله إلى الأرض وإخراجه من الجنّة هي الزلة . قوله : « ينزع » جملة في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها احتمالان : أحدهما : أنّه الضّمير في « أخرج » العائد على الشّيطان ، وأضاف نزع اللّباس إلى الشّيطان ، وإن لم يباشر ذلك ؛ لأنّه كان بسبب منه ، فأسند إليه كما تقول : « أنت فعلت هذا » لمن حصل ذلك الفعل بسبب منه . والثاني : أنّه حال من أبويكم ، وجاز الوجهان ؛ لأنّ المعنى يصحّ على كلّ من التّقديرين ، والصّناعة مساعدة لذلك ، فإنّ الجملة مشتملة على ضمير الأبوين ، وعلى ضمير الشّيطان . قال أبو حيّان « 2 » : فلو كان بدل « ينزع » نازعا تعيّن الأوّل ؛ لأنه إذ ذاك لو جوّز الثّاني لكان وصفا جرى على غير من هو له ، فكان يجب إبراز الضّمير ، وذلك على مذهب البصريّين . قال شهاب الدّين : يعني أنّه يفرّق بين الاسم والفعل ، إذا جريا على غير ما هما له في المعنى ، فإن كان اسما كان مذهب البصريّين ما ذكر ، وإن كان فعلا لم يحتج إلى
--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 284 .