عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

65

اللباب في علوم الكتاب

ويحتمل أن يكون ثمّ قول محذوف ، هي معمولة له أي : فقال : ألم أنهكما . وقال بعضهم : هذه الجملة في محلّ نصب بقول مقدّر ذلك القول حال تقديره : وناداهما قائلا ذلك . و « لكما » متعلّق ب « عدوّ » لما فيه من معنى الفعل ، ويجوز أن تكون متعلّقة بمحذوف على أنّها حال من « عدوّ » ؛ لأنّها لو تأخّرت لجاز أن تكون وصفا له . فصل في قوله « ألم أنهكما » معنى قوله : أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ يعني : عن الأكل منها وأقل لكما : إنّ الشّيطان لكما عدوّ مبين . قال ابن عبّاس : بيّن العداوة حيث أبى السّجود ، وقال : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 23 ] قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) قوله : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا : ضررناها بالمعصية ، وتقدّم تفسيرها في سورة البقرة ، وأنّها تدلّ على صدور الذّنب منه عليه الصّلاة والسّلام ، إلّا أنّا نقول : هذا الذّنب إنّما صدر عنه قبل النّبوّة « 1 » . وفي قوله : « قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا » فائدة : حذف حرف النداء هنا تعظيم المنادى ، وتنزيهه . قال مكّي « 2 » : كثر نداء الرّبّ بحذف « يا » من القرآن ، وعلّة ذلك أن في حذف « يا » من نداء الرّب معنى التّعظيم والتنزيه ؛ وذلك أنّ النداء فيه طرف من معنى الأمر ؛ لأنّك إذا قلت : يا زيد فمعناه : تعال يا زيد أدعوك يا زيد ، فحذفت « يا » من نداء الرّبّ ليزول معنى الأمر وينقص ، لأنّ « يا » تؤكّده ، وتظهر معناه ، فكان في حذف « يا » الإجلال ، والتعظيم ، والتنزيه . قوله : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ هذا شرط حذف جوابه لدلالة جواب القسم المقدّر عليه ، فإن قيل : حرف الشّرط لام التّوطئة للقسم مقدرة كقوله : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ [ المائدة : 73 ] ويدلّ على ذلك كثرة ورود لام التّوطئة قبل أداة الشّرط في كلامهم . وتقدّم إعراب ما بعد ذلك في البقرة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 24 ] قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) وهذا خطاب يجب أن يتناول الثلاثة الذين تقدّم ذكرهم وهم : آدم ، وحوّاء ، وإبليس ، فالعداوة ثابتة بين الإنس والجنّ ، لا تزول ألبتّة .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 42 . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 308 .