عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

6

اللباب في علوم الكتاب

والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال ، وذلك لا يليق بالقديم فدل على أنّه محدث . والجواب أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز [ هو ] هذه الحروف ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة « 1 » . فإن قيل : هب أنّ المراد منه الحروف إلّا أنّه الحروف أعراض غير باقية بدليل أنّها متوالية وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها ، وإذا كان كذلك فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل وصفه بالنزول ؟ فالجواب : أنّه سبحانه وتعالى أحدث هذه الرّقوم والنّقوش في اللّوح [ المحفوظ ] ، ثم إنّ الملك يطالع تلك النّقوش ، وينزّل من السّماء إلى الأرض ويعلّم محمدا - صلوات اللّه وسلامه عليه - تلك الحروف والكلمات ، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة هو : أنّ مبلغها نزل من السّماء إلى الأرض . فصل في تأويل المكانية الّذين أثبتوا للّه مكانا تمسّكوا بهذه الآية فقالوا : إنّ كلمة « من » لابتداء الغاية ، وكلمة « إلى » لانتهاء الغاية ، فقوله : « أُنْزِلَ إِلَيْكَ » يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو اللّه - تبارك وتعالى - وغايتها هو محمّد - عليه أفضل الصلاة والسلام - ، وذلك يدلّ على أنّه تبارك وتعالى مختص بجهة فوق ؛ لأن النّزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل . والجواب : لمّا ثبت بالدّلائل القاطعة أن المكان والجهة على اللّه سبحانه وتعالى محال وجب حمله على التّأويل وهو أنّ الملك انتقل من العلو إلى أسفل . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 2 ] كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) قال مجاهد : « شكّ « 2 » ، والخطاب للرّسول صلّى اللّه عليه وسلم والمراد به الأمة ، ويسمّى الشكّ حرجا ؛ لأن الشّاكّ ضيّق الصّدر كما أن المتيقن منشرح « 3 » القلب » . وقال أبو العالية رحمة اللّه عليه : حرج : ضيق « 4 » ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التّبليغ . قال الكيا : فظاهره النّهي ومعناه : نفي الحرج عنه صلّى اللّه عليه وسلم أي : لا يضيق صدرك ألّا

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 14 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 425 ) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 126 ) عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم . ( 3 ) في الرازي متقح . ( 4 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 126 ) وعزاه لأبي الشيخ عن الضحاك .