عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
581
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : فأي معنى لهذا التكرار . قيل : المهاجرون كانوا على طبقات ، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى ، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية ، وبعضهم أهل الهجرة الثانية ، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكّة ، وكان بعضهم ذا هجرتين ، هجرة الحبشة ، والهجرة إلى المدينة ، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية . قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ . هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة ، إلّا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه . واختلفوا في قوله « من بعد » فقال الواحدي ، عن ابن عبّاس « بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية » « 1 » . وقيل : بعد نزول هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ، والأصحّ أنّ المراد : والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان ، كما قال : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [ التوبة : 100 ] والصحيح : أنّ الهجرة انقطعت بفتح مكّة ، لأنّ مكة صارت بلد الإسلام . وقال الحسن : « الهجرة غير منقطعة أبدا » « 2 » . وأما قوله عليه الصلاة والسلام « لا هجرة بعد الفتح » « 3 » فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام ، أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد ، وهم قليلون ، وللكافرين معهم شوكة ، وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن ؛ لأنّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم . قوله فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي : معكم ، يريد : أنتم منهم وهو منكم . ثم قال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ . قالوا : المراد بالولاية ولاية الميراث ، قالوا هذه الآية ناسخة ؛ لأنّه تعالى بيّن أنّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة ، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلّا بسبب القرابة .
--> ( 1 ) ذكره الواحدي في « الوسيط » ( 2 / 474 ) ، البغوي ( 2 / 264 ) والقرطبي ( 8 / 38 ) ، وأبو حيان في البحر المحيط 4 / 523 ) ، والرازي 15 / 169 . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 15 / 169 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري رقم ( 1834 ) ومسلم ( 1353 ) والترمذي ( 1638 ) والنسائي ( 7 / 145 - 146 ) وأبو داود ( 2463 ) وابن الجارود ( 1030 ) وعبد الرزاق ( 9711 ، 9713 ) من حديث ابن عباس . وأخرجه مسلم ( 3 / 488 ) كتاب الإمارة : باب بيان معنى لا هجرة بعد الفتح حديث ( 86 / 1468 ) من حديث عائشة . وأخرجه أحمد ( 3 / 401 ، 6 / 465 - 466 ) والنسائي ( 7 / 145 - 146 ) من حديث صفوان بن أمية . وأخرجه البخاري رقم ( 3078 ، 3079 ) من حديث مجاشع بن مسعود وأخرجه الطيالسي ( 1989 ) وأحمد ( 3 / 22 - 5 / 187 ) والطبراني في « الكبير » ( 4444 ، 4786 ) والحاكم ( 2 / 257 ) والبيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 109 ) من حديث أبي سعيد الخدري .