عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
578
اللباب في علوم الكتاب
ويقال : السلطان ولي من لا ولي له ولا يفيد الإرث . وقال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ يونس : 62 ] ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب ، فيمكن حمله على غير الإرث ، وهو كون بعضهم معظما للبعض ، مهتما بشأنه ، مخصوصا بمعاونته ومناصرته ، وأن يكونوا يدا واحدة على الأعداء ، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . فأيّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به ، ثمّ الحكم بأنّه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه ، هذا في غاية البعد ، اللّهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه ، إلّا أنّ دعوى الإجماع بعيد . القسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة ، وهم المراد بقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا فقال تعالى : ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، فالولاية المنفية في هذه الصّورة ، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم ، فما قيل هناك قيل هنا . واحتج الذّاهبون إلى أنّ المراد من هذه الولاية الإرث ، بأن قالوا : لا يجوز أن يكون المراد منها ولاية النصرة والدليل عليه أنّه تعالى عطف عليه قوله : « وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ » وذلك عبارة عن الموالاة في الدّين ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة ، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذا حملنا تلك الولاية على التّعظيم والإكرام ، فهو أمر مغاير للنصرة ، لأنّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات ، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم ، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة ، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم ، فسقط هذا الاستدلال . قوله : « مِنْ وَلايَتِهِمْ » قرأ حمزة « 1 » هنا ، وفي الكهف « الولاية للّه » هو ، والكسائيّ بكسر الواو ، والباقون بفتحها . فقيل : لغتان . وقيل : بالفتح من « المولى » يقال : مولى بيّن الولاية ، وبالكسر من ولاية السلطان . قاله أبو عبيدة . وقيل : بالفتح من النّصرة والنّسب ، وبالكسر من الإمارة . قاله الزّجّاج قال : « ويجوز الكسر ؛ لأنّ في تولّي بعض القوم بعضا جنسا من الصناعة والعمل ، وكلّ ما كان من جنس الصناعة مكسور كالخياطة والقصارة » . وقد خطّأ الأصمعيّ قراءة الكسر ، وهو المخطىء ، لتواترها . وقال أبو عبيد : « والذي عندنا الأخذ بالفتح في هذين الحرفين ؛ لأنّ معناهما من الموالاة في الدّين » .
--> ( 1 ) ينظر : السبعة ص ( 309 ) ، الحجة 4 / 165 ، حجة القراءات ص ( 314 ) ، إعراب القراءات 1 / 234 ، النشر 2 / 177 ، إتحاف 2 / 84 .