عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
56
اللباب في علوم الكتاب
هذا استثناء مفرّغ وهو مفعول من أجله فقدّره البصريّون إلّا كراهة أن تكونا ، وقدّره الكوفيّون إلّا أن لا تكونا ، وقد تقدّم مرارا أنّ قول البصريّين أولى ؛ لأنّ إضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف . وقرأ الجمهور « ملكين » بفتح اللّام . وقرأ « 1 » عليّ ، وابن عباس والحسن ، والضّحّاك ، ويحيى بن أبي كثير والزّهريّ وابن حكيم عن ابن كثير « ملكين » بكسرها قالوا : ويؤيّد هذه القراءة قوله في موضع آخر : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] والملك يناسب الملك بالكسر . وأتى بقوله « من الخالدين » ولم يقل « أو تكونا خالدين » مبالغة في ذلك ؛ لأنّ الوصف بالخلود أهمّ من الملكية أو الملك « 2 » ، فإنّ قولك : « فلان من الصّالحين » أبلغ من قولك صالح ، وعليه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [ التحريم : 12 ] . فصل في بيان قوله ما نهاكما ربكما هذا الكلام يمكن أن يكون ذكره إبليس مخاطبا لآدم وحواء ، ويمكن أن يكون بوسوسة أوقعها في قلبيهما ، والأمران مرويّان إلّا أنّ الأغلب أنّه كان على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ . والمعنى : أنّ إبليس قال لهما هذا الكلام ، وأراد به إن أكلتما تكونا بمنزلة الملائكة ، أو تكونا من الخالدين إن أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أنّ من أكلها صار كذلك ، وأنّه تعالى إنّما نهاكما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ، ولا يخلدا . وفي الآية سؤالات : السّؤال الأول : كيف أطمع إبليس آدم أن يكون ملكا عند الأكل من الشّجرة مع أنّه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله ؟ « 3 » . والجواب من وجوه : أحدها : أنّ هذا المعنى أحد ما يدلّ على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض ، أمّا ملائكة السّموات وسكان العرش والكرسيّ ، والملائكة المقرّبون فما سجدوا لآدم ألبتّة . ولو كانوا قد سجدوا له لكان هذا التّطميع فاسدا مختلّا . وثانيها : نقل الواحديّ « 4 » عن بعضهم أنّه قال : إنّ آدم علم أنّ الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء . وضعّف هذا بأنّه لو كان المطلوب من الملائكة هو الخلود فحينئذ لا يبقى فرق بين قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ وبين قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ .
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 385 ، والبحر المحيط 4 / 280 ، والدر المصون 3 / 248 . ( 2 ) في الدر : الملكية . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 39 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .