عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
552
اللباب في علوم الكتاب
وقال بعضهم : القوة هي الحصون . وقال أهل المعاني : هذا عام في كل ما يتقوى به على الحرب . وقوله عليه الصلاة والسلام « القوّة هي الرّمي » لا ينفي كون غير الرمي معتبرا ، كقوله عليه الصلاة والسلام : « الحجّ عرفة » « 1 » و « النّدم توبة » لا ينفي اعتبار غيره . فإن قيل : قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ كان يكفي ، فلم خصّ الرمي والخيل بالذكر ؟ . فالجواب : أنّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الّتي عقد الخير في نواصيها ، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، خصّها بالذّكر تشريفا وأقسم بغبارها تكريما ، فقال : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [ العاديات : 1 ] الآيات ، ولمّا كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوّ ، وأقربها تناولا للأرواح ، خصّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالذكر لها ؛ ونظير هذا قوله تعالى : وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 89 ] بعد ذكر الملائكة ، ومثله كثير . قوله « من قوّة » في محلّ نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنّه الموصول ، والثاني : أنه العائد عليه ، إذ التقدير : ما استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون « من » لبيان الجنس . قوله : « ومن رباط » ، جوّزوا فيه أن يكون جمع « ربط » مصدر : ربط يربط ، نحو : كعب وكعاب ، وكلب وكلاب ، وأن يكون مصدرا ل « ربط » ، نحو : صاح صياحا . قالوا : لأنّ مصادر الثلاثي لا تنقاس ، وأن يكون مصدر : « رابط » ، ومعنى المفاعلة : أنّ ارتباط الخيل يفعله كلّ واحد لفعل الآخر ، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضا ، قال معناه ابن عطيّة . قال أبو حيّان : قوله « مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس » ليس بصحيح ، بل لها مصادر منقاسة ذكرها النحويون . قال شهاب الدّين « 2 » : « في المسألة خلاف مشهور ، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياس حتى يردّ عليه بالخلاف ؛ فإنّه قد يكون اختيار أحد المذاهب ، وقال به ، فلا يردّ عليه بالقول الآخر » . وقال الزمخشريّ : « والرّباط : الخيل التي تربط في سبيل اللّه ويجوز أن يسمّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع : ربيط يعني : بمعنى مربوط ، ك : فصيل وفصال . والمصدر هنا مضاف لمفعوله » .
--> ( 1 ) أخرجه الطيالسي ( 1 / 220 - منحة ) رقم ( 1056 ) وأحمد ( 4 / 335 ) والدارمي ( 2 / 59 ) وأبو داود ( 1949 ) والترمذي ( 3 / 237 ) رقم ( 889 ) والنسائي ( 5 / 256 ) وابن ماجة ( 2 / 1003 ) رقم ( 3015 ) وابن الجارود رقم ( 468 ) والدارقطني ( 2 / 240 - 241 ) والحاكم ( 1 / 464 ) والبيهقي ( 5 / 116 ) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 431 .