عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

530

اللباب في علوم الكتاب

لزوم الحركة فمع عروضها أولى ، ومن أدغم فلاستثقال ظهور الكسرة في حرف يجانسه ؛ ولأنّ الحركة الثانية لازمة لأنّها حركة بناء ، ولا يضرّ زوالها في نحو : « حييت » ، كما لا يضرّ ذلك فيما يجب إدغامه من الصحيح ، نحو : حللت وظللت ، وهذا كلّه فيما كانت حركته حركة بناء ، ولذلك قيّد به الماضي . أمّا إذا كانت حركة إعراب فالإظهار فقط ، نحو : لن يحيي ولن يعيي . فصل [ في أن الهلاك والحياة عبارة عن الإيمان والكفر ] قوله « عن بيّنة » متعلق ب « يهلك » و « يحيا » ، والهلاك ، والحياة عبارة عن الإيمان والكفر ، والمعنى : ليصدر كفر من كفر عن وضوح وبيان ، لا عن مخالطة شبهة ، وليصدر إسلام من أسلم عن وضوح لا عن مخالطة شبهة . معنى الآية : « إذ أنتم » أي : اذكروا يا معشر المسلمين : « إذ أنتم بالعدوة الدّنيا » أي : بشفير الوادي الأدنى من المدينة ، والدّنيا : تأنيث الأدنى ، « وهم » يعني : المشركين . « بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى » بشفير الوادي الأقصى من المدينة ممّا يلي جانب مكّة ، وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون ، فكان استظهارهم من هذا الوجه أشد ، « والرّكب » العير التي خرجوا إليها . « أَسْفَلَ مِنْكُمْ » أي : في موضع أسفل إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر . « وَلَوْ تَواعَدْتُمْ » أنتم ، وأهل مكّة « لاختلفتم » لخالف بعضكم بعضا لقلتكم ، وكثرتهم ، أو لأن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير ، وخرج الكفّار ليمنعوها ، فالتقوا على غير ميعاد ، ولكن اللّه جمعكم على غير ميعاد ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، لنصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » . وذلك أن عسكر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أول الأمر ، كانوا في غاية الضّعف والخوف بسبب القلّة ، وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدا عن الماء ، وكانت الأرض الّتي نزلوا فيها رملا تغوص فيه أرجلهم ، والكفّار كانوا في غاية القوّة ، لكثرتهم في العدد والعدة ، وكانوا قريبا من الماء وكانت الأرض التي نزلوا فيها صالحة للمضي ، والعير كانوا خلف ظهورهم وكانوا يتوقّعون مجيء المدد ساعة فساعة ، ثمّ إنّه تعالى قلب القصّة ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدّمار على الكافرين ، فصار ذلك من أعظم المعجزات ، وأقوى البيّنات على صدق محمد - عليه الصّلاة والسّلام - فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . وقوله : « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ » إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أنّ الذين هلكوا إنّما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البيّنة : المعجزة ، ثم قال : وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ أي : يسمع دعاءكم ، ويعلم حاجتكم وضعفكم ويصلح مهمكم . قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا .