عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
515
اللباب في علوم الكتاب
لأجلهم هذا القول : « إن ينتهوا » ، ولو كان بمعنى خاطبهم به ، لقيل : إن تنتهوا يغفر لكم وهي قراءة ابن مسعود ، ونحو « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ » خاطبوا به غيرهم ليسمعوه » وقرىء « 1 » « يغفره » مبنيا للفاعل ، وهو ضمير يعود على اللّه تعالى . فصل [ في معنى : قل للذين كفروا إن ينتهوا عن الكفر وعداوة الرسول ويسلموا « يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » من كفرهم ] المعنى : قل للّذين كفروا إن ينتهوا عن الكفر وعداوة الرّسول ويسلموا « يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » من كفرهم وعداوتهم للرّسول ، وإن عادوا إليه ، وأصرّوا عليه : « فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ » في نصرة اللّه أنبياءه ، وأولياءه ، وإهلاك أعداءه ؛ فليتوقّعوا مثل ذلك . وقال يحيى بن معاذ الرازي : توحيد ساعة لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر ، وأرجو ألّا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب . واستدلّوا بهذه الآية على صحّة توبة الزّنديق ، وأنها تقبل ، واستدلوا بها أيضا على أنّ الكفّار ليسوا مخاطبين بالفروع ؛ لأنّها لا تصح منهم في حال الكفر ، وبعد الإسلام لا يلزم قضاؤها . واحتجّوا بها أيضا على أنّ المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات الّتي تركها في حال الردّة . قوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ الآية . لمّا بيّن أن الكفار إن انتهوا عن الكفر غفر لهم ، وإن عادوا فهم متوعدون ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا ، فقال : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ . وقال عروة بن الزبير : « كان المؤمنون يفتنون عن دين اللّه في مبدأ الدّعوة ، فافتتن بعض المسلمين ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ثانية وهي أنه لمّا بايعت الأنصار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيعة العقبة ، أرادت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكّة عن دينهم ؛ فأصاب المؤمنين جهد شديد ، فهذا هو المراد من الفتنة ؛ فأمر اللّه بقتالهم حتّى تزول هذه الفتنة » « 2 » . قال المفسّرون : « حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » أي : شرك . وقال الربيع : « حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه » . قال القاضي « إنه تعالى أمر بقتالهم ، ثم بيّن له قتالهم ، فقال : « حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » ويخلص الدّين الذي هو دين اللّه من سائر الأديان ، وإنّما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكليّة » ، « ويكون » العامّة على نصبه ، نسقا على المنصوب « 3 » مرفوعا على الاستئناف .
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 220 ، البحر المحيط 4 / 489 ، الدر المصون 3 / 419 . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 131 ) . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 489 ، الدر المصون 3 / 419 .