عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

512

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في معنى « المكاء » و « التّصدية » ] قال ابن عبّاس « كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ، يصفرون ويصفّقون » « 1 » . وقال مجاهد : « كانوا يعارضون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الطّواف ويستهزئون به ويصفّرون ، ويصفّقون ، ويخلطون عليه طوافه وصلاته » « 2 » . وقال مقاتل : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صلّى في المسجد الحرام ، قام رجلان عن يمينه ، ورجلان عن يساره يصفقون ليخلطوا على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاته ، وهم من بني عبد الدّار » « 3 » . وقال سعيد بن جبير : « التصدية : صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام ، وعلى هذا ف « التّصددة » بدالين ، كما يقال : تظننت من الظن » « 4 » . فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم ، وعلى قول مجاهد ومقاتل : كان إيذاءا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والأول أقرب ، لقوله تعالى : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً . فإن قيل : « المكاء » و « التّصدية » ليسا من جنس الصّلاة ، فكيف يجوز استثناؤهما من الصّلاة ؟ فالجواب : من وجوه ، أحدها : أنهم كانوا يعتقدون أنّ المكاء والتصدية من جنس الصّلاة ، فحسن الاستثناء على حسب معتقدهم . قال ابن الأنباري : « إنّما سمّاه صلاة ؛ لأنّهم أمروا بالصّلاة في المسجد ؛ فجعلوا ذلك صلاتهم » . وثانيها : أنّ هذا كقولك : زرت الأمير ؛ فجعل جفائي صلتي ، أي : أقام الجفاء مقام الصلة ، كذا ههنا . وثالثها : الغرض منه أن من كان المكاء والتّصدية صلاته فلا صلاة له ، كقول العرب : ما لفلان عيب إلّا السخاء ، أي : من كان السخاء عيبه فلا عيب فيه . ثم قال تعالى فَذُوقُوا الْعَذابَ أي : عذاب السيف يوم بدر ، وقيل : يقال لهم في الآخرة فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . قوله تعالى :

--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 332 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والضياء عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 239 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 333 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 239 ) عن مجاهد بمعناه وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 247 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 240 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 247 ) .