عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
477
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنّه حال . والثاني : أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري . فقال : « فإن قلت : بم انتصب : « إِلَّا مُتَحَرِّفاً » ؟ قلت : على الحال و « إلّا » لغو ، أو على الاستثناء من المولّين : أي ومن يولّهم إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا » . قال أبو حيان « 1 » : « لا يريد بقوله « إلّا » لغو أنّها زائدة ، إنّما يريد أنّ العامل وهو : « يولّهم » وصل لما بعدها كقولهم في « لا » من قولهم : جئت بلا زاد - إنّها لغو . وفي الحقيقة هي استثناء من حال محذوفة والتقدير : ومن يولّهم ملتبسا بأية حال إلّا من حال كذا ، وإن لم تقدّر حال محذوفة لم يصحّ دخول « إلّا » لأن الشّرط عندهم واجب ، والواجب حكمه ألّا تدخل « إلّا » فيه لا في المفعول ، ولا في غيره من الفضلات ، لأنه استثناء مفرغ ، والمفرّغ لا يكون في الواجب ، إنّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما ، فإن جاء ما ظاهره خلاف ذلك يؤوّل » . قال شهاب الدّين « 2 » : « قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات ، لا حاجة إليه لأنّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقا ، سواء أكان ما بعد إلّا فضلة أو عمدة فذكر الفضلة والمفعول يوهم جوازه في غيرهما » . وقال ابن عطيّة « 3 » : « وأمّا الاستثناء فهو من المولّين الذين تتضمّنهم « من » فجعل نصبه على الاستثناء » . وقال جماعة : إنّ الاستثناء من أنواع التولّي ، وردّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيب : إلّا تحيّزا أو تحرّفا ، والتّحيّز والتّحوّز : الانضمام ، وتحوّزت الحيّة : انطوت ، وحزت الشّيء : ضممته ، والحوزة : ما يضمّ الأشياء ، ووزن « متحيّز » « متفيعل » والأصل « متحيوز » فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسّكون فقلبت الواو ياء ، وأدغمت في الباء بعدها ، ك : ميّت ، ولا يجوز أن يكون : « متفعّلا » ؛ لأنّه لو كان كذلك لكان « متحوّزا » ، فأمّا متحوّز ف « متفعّل » . فصل [ في أن معنى الآية : إذا ذهبتم للقتال فلا تولوهم الأدبار ] معنى الآية : إذا ذهبتم للقتال ، فلا تولوهم الأدبار : أي لا تنهزموا ، فتجعلوا ظهوركم ممّا يليهم ثم بيّن أنّ الانهزام محرم إلّا في حالتين : إحداهما : أن يكون متحرّفا للقتال ، أي : أنه يجعل تحرفه أنه منهزم ، ثم ينعطف عليه ، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها . يقال : تحرّف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء . والثانية : قوله « أو متحيّزا إلى فئة » والتّحيز الانضمام كما تقدّم ، والفئة
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 470 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 408 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 510 .