عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
468
اللباب في علوم الكتاب
ورابعها : أنّ النعاس غشيهم دفعة واحدة مع كثرتهم وحصول النّعاس للجمع العظيم على الخوف الشّديد أمر خارق للعادة . فلهذا قيل : إنّ ذلك النّعاس في حكم المعجز . فإن قيل : فإذا كان الأمر كذلك فلم خافوا بعد ذلك ؟ . فالجواب : لأنّ المعلوم أنّ اللّه تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا منصورا ، وذلك لا يمنع من ضرورة بعضهم مقتولين . قال ابن عباس : « النّعاس في القتال أمنة من اللّه ، وفي الصّلاة وسوسة من الشّيطان » « 1 » . قوله : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ العامّة على « ماء » ، و « ليطهّركم » متعلق ب : « ينزّل » . وقرأ الشعبيّ « 2 » : « ما ليطهركم » بألف مقصورة ، وفيها تخريجان ، أشهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره - « أنّ » « ما » بمعنى « الّذي » و « ليطهّركم » صلتها . قال بعضهم : تقديره : الذي هو ليطهركم . فقدّر الجار خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة صلة ل « ما » وقد ردّ أبو حيان هذين التخريجين بأنّ لام « كي » لا تقع صلة . والثاني : أن « ما » هو ماء بالمدّ ، ولكن العرب قد حذفت همزته فقالوا : « شربت ما » بميم منونة حكاه ابن مقسم . وهذا لا نظير له ، إذ لا يجوز أن ينتهك اسم معرب بالحذف حتّى يبقى على حرف واحد ، إذا عرف هذا ؛ فيجوز أن يكون قصر « ماء » ، وإنّما لم ينونه إجراء للوصل مجرى الوقف ، ثم هذه الألف تحتمل أن تكون عين الكلمة ، وأنّ الهمزة محذوفة ، وهذه الألف بدل من الواو التي في « موه » في الأصل ، ويجوز أن تكون المبدلة من التّنوين ، وأجرى الوصل مجرى الوقف ، والأوّل أولى ، لأنّهم يراعون في الوقف ألّا يتركوا الموقوف عليه على حرف واحد نحو : « مر » اسم فاعل من : أرى يري . فصل [ في تفسير الآية ] روي أنّهم حفروا موضعا في الرّمل ، فصار كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتّى شربوا منه وتطهروا وتزودوا . وقيل : إنّهم لمّا عطشوا ولم يجدوا الماء ثمّ ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إنّ المطر نزل وزالت عنهم تلك البليّة والمحنة .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 192 ) عن عبد اللّه بن مسعود وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 234 ) عن ابن مسعود أيضا . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 402 ، البحر المحيط 4 / 462 ، الكشاف 2 / 203 .