عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
465
اللباب في علوم الكتاب
وقال آخرون لم يقاتلوا وإنّما كانوا يكثرون السّواد ويثبتون المؤمنين ، وإلّا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم فإنّ جبريل - عليه السلام - أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط ، وأهلك بلاد ثمود ، وقوم صالح بصيحة واحدة . وقد تقدّم الكلام في كيفية هذا الإمداد في سورة آل عمران ، ويدلّ على أنّ الملائكة لم يقاتلوا قوله وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى إذا جعلنا الضمير عائدا على الإرداف . قال الزّجّاج : « وما جعل اللّه المردفين إلا بشرى » وهذا أولى ؛ لأنّ الإمداد بالملائكة حصل بالبشرى . « وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » والمقصود التّنبيه على أنّ الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ، إلّا أنّ الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك ، بل يجب أن يكون اعتماده على اللّه ونصره وكفايته ؛ لأنّ اللّه هو العزيز الغالب الحكيم فيما ينزل من النّصرة فيضعها في موضعها . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 11 ] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) قوله : « إِذْ يُغَشِّيكُمُ » في « إذ » وجوه : أحدها : أنّه بدل من « إذ » في قوله : « وَإِذْ يَعِدُكُمُ » قال الزمخشريّ : « إذ يغشاكم » بدل ثان من : « إذ يعدكم » . قوله : « ثان » ؛ لأنه أبدل منه « إذ » في قوله : « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ » ووافقه على هذا ابن عطيّة ، من : « إِذْ يَعِدُكُمُ » . قوله : « ثان » ؛ لأنه أبدل منه « إذ » في قوله : « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ » ووافقه على هذا ابن عطيّة ، وأبو البقاء . الثاني : أنّه منصوب ب « النصر » . الثالث : بما في عند اللّه من معنى الفعل . الرابع : ب « ما جَعَلَهُ اللَّهُ » . الخامس : بإضمار « اذكر » ذكر ذلك الزمخشريّ . وقد سبقه إلى الرابع : الحوفيّ . وقد ضعّف أبو حيان الوجه الثّاني بثلاثة أوجه : أحدها : أنّ فيه إعمال المصدر المقرون ب « أل » قال : وفيه خلاف : ذهب الكوفيّون إلى أنّه لا يعمل . الثاني : أنّ فيه فصلا بين المصدر ومعموله بالخير ، وهو قوله : « إلّا من عند اللّه » ولو قلت : « ضرب زيد شديد عمرا » لم يجز . الثالث : أنه عمل ما قبل « إلّا » فيما بعدها ، وليس أحد الثلاثة الجائز ذلك فيها ؛ لأنّه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى ، أو مستثنى منه أو صفة له . وقد جوّز الكسائيّ والأخفش : إعمال ما قبل « إلّا » فيما بعدها مطلقا ، وليس في