عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

46

اللباب في علوم الكتاب

من قبل حسناتهم وعن شمائلهم : من قبل سيّئاتهم » « 1 » . قال ابن الأنباريّ « 2 » : « قول من قال الأيمان كناية عن الحسنات والشّمائل كناية عن السيئات قول حسن ؛ لأنّ العرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدّمين عندك ، ولا تجعلني من المؤخرين » . وروى أبو عبيدة عن الأصمعي « 3 » أنه قال : « أنت عندنا باليمين أي : بمنزلة حسنة ، وإذا خبثت منزلته قال أنت عندي بالشّمال » . وقال الحكم والسّدّيّ : « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » : من قبل الدنيا يزيّنها لهم ، ومن خلفهم : من قبل الآخرة يثبّطهم عنها ، وعن أيمانهم من قبل الحقّ يصدّهم عنه ، وعن شمائلهم : من قبل الباطل يزينه لهم . وقال قتادة : « أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنّه لا بعث ولا جنّة ، ولا نار ، ومن خلفهم في أمر الدّنيا فزينها لهم ودعاهم إليها ، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها ، وعن شمائلهم زيّن لهم السيّئات والمعاصي ، ودعاهم إليها » « 4 » . وقال مجاهد : « من بين أيديهم ، وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم ، وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون » « 5 » . قال ابن جريج : معنى قوله : « حيث يبصرون أي : يخطئون ، وحيث لا يبصرون أي : لا يعلمون أنّهم يخطئون » . وقيل : من بين أيديهم في تكذيب الأنبياء والرّسل الذين يكونون حاضرين ، ومن خلفهم في تكذيب من تقدّم من الأنبياء والرّسل ، وعن أيمانهم في الكفر والبدعة ، وعن شمائلهم في أنواع المعاصي . وقال حكماء الإسلام « 6 » : إنّ في البدن قوّى أربعا ؛ هي الموجبة لقوّات السّعادات الرّوحانيّة ، فالقوة الأولى الخياليّة التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها ، وهي موضوعة في البطن المقدّم من الدّماغ ، وصور المحسوسات إنّما ترد عليها من مقدمها ، وإليه الإشارة بقوله : « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ » . والقوّة الثّانية : الوهميّة التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 445 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 136 ) عن مجاهد وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 34 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 34 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 446 ) عن قتادة . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 446 - 447 ) عن مجاهد . ( 6 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 34 .