عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
459
اللباب في علوم الكتاب
قالوا : يجب حمله على أنه يوجد الحقّ ويكونه ، والحقّ ليس إلّا الدين والاعتقاد ، فدل على أنّ العقائد الحقة لا تحصل إلّا بتكوين اللّه ، ولا يمكن حمل تحقيق الحقّ على إظهار آثاره ؛ لأنّ ذلك الظّهور حصل بفعل العباد ، فامتنع إضافة ذلك الإظهار إلى اللّه تعالى ، ولا يمكن أن يقال : المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها ، لأنّ هذا المعنى حاصل في حق الكافر والمسلم . وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلا . قالت المعتزلة : هذه الآية تدلّ على أنّه لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق ألبتّة ، إنّما يريد تحقيق الحقّ ، وإبطال الباطل ، وذلك يبطل قول من يقول إنّه لا باطل ولا كفر إلّا واللّه تعالى مريد له . وأجيبوا : بأنه يثبت في أصول الفقه أنّ المفرد المحلى بالألف واللّام ينصرف إلى المعهود السّابق فهذه الآية دلّت على أنّه تعالى أراد تحقيق الحق ، وإبطال الباطل في الصّورة ، فلم قلتم إنّ الأمر كذلك في جميع الصّور ؟ . وقد بيّنا أيضا بالدّليل أنّ هذه الآية تدلّ على صحّة قولنا . ثم قال تعالى : وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أي : المشركون . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 9 ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الآية . في « إذ » خمسة أوجه : أحدها : أنّه منصوب ب « اذكر » مضمرا ، ولذلك سمّاه الحوفي مستأنفا ، أي : إنّه منقطع عمّا قبله . والثاني : أنّه منصوب ب « يحقّ » أي : يحقّ الحقّ وقت استغاثتكم ، وهو قول ابن جرير وهو غلط ؛ لأنّ « ليحقّ » ، مستقبل ؛ لأنّه منصوب بإضمار « أن » و « إذ » ظرف لما مضى ، فكيف يعمل المستقبل في الماضي ؟ . الثالث : أنّه بدل من « إذ » الأولى ، قاله الزمخشري ، وابن عطيّة ، وأبو البقاء وكانوا قد قدّموا أنّ العامل في « إذ » الأولى « اذكر » مقدرا . الرابع : أنّه منصوب ب « يعدكم » قاله الحوفيّ ، وقبله الطبري . الخامس : أنّه منصوب بقوله « تودّون » قاله أبو البقاء ، وفيه بعد لطول الفصل . واستغاث : يتعدّى بنفسه ، وبالباء ، ولم يجئ في القرآن إلّا متعدّيا بنفسه ، حتّى نقم ابن مالك على النحويين قولهم : المستغاث له ، أو به ، والمستغاث من أجله ، وقد أنشدوا على تعدّيه بالحرف قول الشاعر : [ البسيط ]