عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

44

اللباب في علوم الكتاب

يهمل الأهم الأكمل الأعظم لأجل زيادة لا حاجة إليها ولا ضرورة . فثبت فساد هذه المذاهب ، وأنّه لا يجب على اللّه شيء أصلا « 1 » . قوله : « ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ » جملة معطوفة على جواب القسم أيضا وأخبر أنّه بعد أن يقعد على الصّراط يأتي من هذه الجهات الأربع ، ونوّع حرف الجرّ فجرّ الأوّلين [ ب « من » ] والثّانيين ب « عن » لنكتة ذكرها الزّمخشريّ « 2 » . قال - رحمه اللّه - : « فإن قلت كيف قيل : من بين أيديهم ، ومن خلفهم بحرف الابتداء ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم بحرف المجاوزة ؟ قلت : المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به ، فكما اختلفت حروف التّعدية في ذلك اختلفت في هذا ، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس ، وإنّما يفتش عن صحّة موقعها فقط ، فلما سمعناهم يقولون : جلس عن يمينه ، وعلى يمينه ، وعن شماله ، وعلى شماله قلنا : معنى « على يمينه » أنّه تمكّن من جهة اليمين تمكّن المستعلي من المستعلى عليه . ومعنى « عن يمينه » أنّه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملاصق له منحرفا عنه ، ثمّ كثر حتّى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في « تعال » . ونحوه من المفعول به قولهم : « رميت على القوس ، وعن القوس ، ومن القوس » لأنّ السّهم يبعد عنها ، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرّمي ، ويبتدئ الرّمي منها ، فلذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى « في » ؛ لأنّهما ظرفان للفعل ، ومن بين يديه ومن خلفه ؛ لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول : جئت من اللّيل تريد بعض اللّيل » . قال شهاب الدّين « 3 » : « وهذا كلام من رسخت قدمه في فهم كلام العرب » . وقال أبو حيّان « 4 » : وهو كلام لا بأس به . فلم يوفّه حقّه . ثم قال : وأقول : وإنّما خصّ بين الأيدي ، والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإتيان ؛ لأنّهما أغلب ما يجيء العدوّ منهما فينال فرصته ، وقدّم بين الأيدي على الخلف ؛ لأنّها الجهة الّتي تدلّ على إقدام العدوّ وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف منه ، والخلف جهة غدر ومخاتلة ، وجهالة القرن بمن يغتاله ، ويتطلب غرّته وغفلته ، وخصّ الأيمان والشّمائل بالحرف الذي يدلّ على المجاوزة ؛ لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدوّ ، وإنما يجاوز إتيانه إلى الجهة الّتي هي أغلب في ذلك ، وقدّمت الأيمان على الشّمائل ؛ لأنها هي الجهة القويّة في ملاقاة العدوّ ، وبالأيمان البطش والدّفع ، فالقرن الذي يأتي من جهتها أبسل وأشجع إذ جاء من الجهة الّتي هي أقوى في الدّفع ، والشّمائل ليست في القوّة والدّفع كالأيمان .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 34 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 93 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 243 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 278 .