عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

436

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أن يعود الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين ، والمرفوع على الإخوان وهم الكفّار . قال ابن عطيّة : ويكون المعنى : وإخوان الشّياطين في الغيّ بخلاف الإخوة في اللّه يمدّون الشّياطين أي : بطاعتهم لهم وقبولهم منهم ، ولا يترتّب هذا التّأويل على أن يتعلّق في الغيّ بالإمداد ؛ لأنّ الإنس لا يغوون الشياطين ، يعني يكون في الغيّ حالا من المبتدأ ، أي : وإخوانهم حال كونهم مستقرّين في الغيّ ، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف ، والأحسن أن يتعلّق بما تضمنه إخوانهم من معنى المؤاخاة والأخوة ، وسيأتي فيه بحث لأبي حيان . قال أبو حيّان : ويمكن أن يتعلّق في الغيّ على هذا التّأويل ب : يمدّونهم على جهة السببية ، أي : يمدّونهم بسبب غوايتهم ، نحو : دخلت امرأة النّار في هرّة ، أي : بسبب هرّة ، ويحتمل أن يكون في الغيّ حالا ، فيتعلّق بمحذوف أي : كائنين في الغيّ ، فيكون في الغيّ في موضعه ، ولا يتعلّق ب : إخوانهم وقد جوّز ذلك ابن عطية . وعندي في ذلك نظر . فلو قلت : مطعمك زيد لحما ، تريد : مطعمك لحما زيد ، فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر ، لكان في جوازه نظر ، لأنّك فصلت بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معا ، وإن كان ليس أجنبيا لأحدهما وهو المبتدأ . قال شهاب الدين « 1 » : ولا يظهر منع هذا البتة لعدم أجنبيته وقرأ « 2 » نافع يمدّونهم بضم الياء وكسر الميم من أمدّ والباقون : بفتح الياء وضم الميم ، وقد تقدم الكلام على هذه المادة هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق في أوائل الكتاب [ البقرة : 155 ] . فقيل : أمدّ ومدّ لغتان . وقيل : مدّ معناه : جذب ، وأمدّ معناه من : الإمداد . قال الواحدي عامة ما جاء في التنزيل ممّا يحمد ويستحب أمددت على أفعلت ، كقوله أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [ المؤمنون : 55 ] وقوله وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [ الطور : 22 ] أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ [ النمل : 36 ] وما كان بخلافه فإنّه يجيء على : مددت ؛ قال تعالى وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] فالوجه ههنا قراءة العامة ، ومن ضمّ الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] وقرأ « 3 »

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 390 . ( 2 ) ينظر : السبعة 301 ، والحجة 4 / 122 ، وإعراب القراءات 1 / 219 ، وحجة القراءات 306 ، وإتحاف 2 / 73 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 493 ، والبحر المحيط 4 / 447 ، والدر المصون 3 / 390 .