عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
419
اللباب في علوم الكتاب
فقال : لعلّه صاحبنا الذي قد علمت ؛ فعاودها إبليس ، فلم يزل بها حتّى غرّها ؛ فلمّا ولدته سمّياه عبد الحارث . وروي عن ابن عباس ، قال : كانت حوّاء تلد فتسميه عبد اللّه ، وعبيد اللّه ، وعبد الرحمن فيصيبهم الموت ، فأتاهما إبليس ، وقال : إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ؛ فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش ، وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض . واعلم أن هذا التأويل فاسد لوجوه : أحدها : قوله تعالى : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فدلّ على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة . وثانيها : قال بعده : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وهذا يدلّ على أن المقصود من الآية : الرّد على من جعل الأصنام شركاء للّه تعالى ، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر . وثالثها : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركون من لا يخلق ؛ لأن العاقل إنّما يذكر بصيغة من . ورابعها : أنّ آدم - عليه السّلام - كان من أشدّ النّاس معرفة بإبليس ، وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] فلا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحارث ، فمع العداوة الشّديدة التي بينهما ومع علمه بأنّ اسم إبليس الحارث كيف يسمّي ولده بعبد الحارث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء بحيث لم يجد سوى هذا الاسم ؟ وخامسها : أنّ أحدنا لو حصل له ولد فجاءه إنسان ، ودعاه إلى أن يسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار ، فآدم - عليه السلام - مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس ، كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر ؟ وسادسها : أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام ، سماه بعبد الحارث ، فلا يخلو إمّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له ، بمعنى أنّه أخبر بهذا اللفظ أنّه عبد الحارث ، فإن كان الأول لم يكن هذا شركا لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة ، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك ، وإن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - اعتقد أنّ للّه شريكا في الخلق والإيجاد ، وذلك يوجب الجزم بكفر آدم ، وذلك لا يقوله عاقل ؛ فثبت فساد هذا القول . وإذا عرف ذلك فنقول في تأويل الآية وجوه : الأول : قال القفال « 1 » - رحمه اللّه - إنّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 71 .