عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
413
اللباب في علوم الكتاب
أكثرت السّؤال عنها وبالغت في طلب علمها ، وقيل الحفاوة : البرّ واللّطف . قال ابن الأعرابي : يقال حفي بي حفاوة وتحفّى بي تحفّيا . والتّحفي : الكلام واللّقاء الحسن ، قال تعالى : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [ مريم : 47 ] أي بارّا لطيفا يجيب دعائي . ومعنى الآية على هذا : [ يسألونك ] كأنّك بارّ بهم لطيف العشرة معهم ، قاله الحسن وقتادة والسّديّ « 1 » ويؤيده ما روي في تفسيره : إنّ قريشا قالوا لمحمّد - عليه الصّلاة والسّلام - : إنّ بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى السّاعة ؟ فقال تعالى : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [ الأعراف : 187 ] أي : كأنك صديق لهم بارّ ، بمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم . وقرأ عبد اللّه « 2 » حفيّ بها وهي تدلّ لمن ادّعى أنّ « عن » بمعنى الباء ، وحفيّ فعيل بمعنى : مفعول أي : محفوّ . وقيل : بمعنى فاعل ، أي كأنّك مبالغ في السؤال عنها ومتطلع إلى علم مجيئها . قوله : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ . اعلم أن قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها سؤال عن وقت قيام السّاعة . وقوله ثانيا : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها سؤال عن كيفيّة ثقل السّاعة وشدتها فلم يلزم التكرار ، وأجاب عن الأوّل بقوله : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي وأجاب عن الثّاني بقوله : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ والفرق بين الصورتين : أن السؤال الأول كان واقعا عن وقت السّاعة . والسؤال الثّاني كان واقعا عن مقدار شدتها ومهابتها . وأعظم أسماء اللّه مهابة وعظمة هو قولنا : اللّه . فأجاب عند السّؤال عن مقدار شدّة القيامة بالاسم الدّالّ على غاية المهابة ، وهو قولنا : اللّه ، ثم ختم الآية بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي : لا يعلمون أن القيامة حقّ ؛ لأنّ أكثر الخلق ينكرون المعاد . وقيل : لا يعلمون بأنّي أخبرتك بأنّ وقت قيام السّاعة لا يعلمها إلّا اللّه . وقيل : لا يعلمون السّبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق . قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ الآية . وجه تعلّق هذه الآية بما قبلها : أنّهم لمّا سألوه عن علم السّاعة فقال : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي أنا لا أدري علم الغيب ، ولا أملك لنفسي نفعا ، ولا ضرّا إن أنا إلّا نذير ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 139 ) عن الحسن وقتادة والسدي . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 185 ، ونسبها ابن عطية في المحرر ( 2 / 485 ) إلى ابن عباس ، وينظر : البحر المحيط 4 / 433 ، والدر المصون 3 / 381 .