عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
399
اللباب في علوم الكتاب
« كثيرا » وإن كان نكرة لتخصّصه بالوصف ، أو من الضمير المستكن في من الجنّ ؛ لأنّه تحمل ضميرا ، لوقوعه صفة ، ويجوز أن يكون لهم على حدته هو الوصف ، أو الحال ، وقلوب فاعل به فيكون من باب الوصف بالمفرد ، وهو أولى . وقوله : « لا يفقهون بها » وكذلك الجملة المنفيّة في محلّ النّعت لما قبلها ، وهذا الوصف يكاد يكون لازما ، لوروده في غير القرآن ؛ لأنّه لا فائدة بدونه ؛ لو قلت : لزيد قلب وله عين ، وسكتّ لم يظهر لذلك كبير فائدة . فصل [ في أن للبهائم قلوبا لا يعلمون بها الخير والهدى ] المعنى : لهم قلوب لا يعلمون بها الخير والهدى ، ولهم أعين لا يبصرون بها طريق الحق ، ولهم آذان لا يسمعون بها مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون . ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب ، فقال : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي : أنّ همتهم الأكل والشّرب والتمتع بالشّهوات « بَلْ هُمْ أَضَلُّ » ؛ لأنّ الأنعام تميز بين المضار والمنافع فلا تقدم على المضار ، وهؤلاء يقدمون بالشهوات على النّار معاندة مع العلم بالهلاك . وقيل : لأنّ الأنعام مطيعة للّه تعالى والكافر غير مطيع . وقال مقاتل : هم أخطأ طريقا من الأنعام ؛ لأنّ الأنعام تعرف ربّها ، وهم لا يعرفون ربّهم « 1 » ولا يذكرونه . وقيل : لأنّها تفر إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها ، والكافر يهرب عن ربّه الذي أنعم عليه . وقيل : لأنّها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فإن كان معها مرشد فقلما تضلّ ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وهم يزدادون في الضلال : أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ . فصل [ في دلالة الآية على أن اللّه تعالى كلّفهم مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ] دلّت الآية على أنّه تعالى كلّفهم مع أن قلوبهم ، وأبصارهم ، وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصّد عنه مع الأمر به . قالت المعتزلة : لو كانوا كذلك لقبح من اللّه تكليفهم ؛ لأن تكليف من لا قدرة له على الفعل قبيح لا يليق بالحكيم ؛ فوجب حمل الآية على أنّ المراد منه كثرة الإعراض عن الدّلائل وعدم الالتفات إليها ، فأشبهوا من لا قلب له فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة . وأجيبوا بأنّ الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء صارت تلك النّفرة المتأكدة الراسخة
--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 54 ) عن مقاتل .