عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
391
اللباب في علوم الكتاب
لسانه ويخرجه لأجل ما تمكّن في قلبه من حرارة الحرص وشدّة العطش إلى الفوز بالدّنيا ، فكانت حاله شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه دائما من غير حاجة ، ولا ضرورة ، بل لمجرّد الطبيعة الخسيسة . والثالث : أنّ الكلب اللّاهث لا يزول لهثه البتة ، فكذلك الإنسان الحريص لا يزول حرصه البتة . قوله : ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ يجوز أن يشار ب : ذلك إلى صفة « الكلب » ، ويجوز أن يشار به إلى المنسلخ من الآيات ، أو إلى الكلب ، وأداة التّشبيه محذوفة من ذلك أي : صفة المنسلخ ، أو صفة الكلب مثل الّذين كذّبوا ، ويجوز أن يكون المحذوف من : « مثل القوم » أي : ذلك الوصف ، وهو وصف المنسلخ ، أو وصف الكلب كمثل القوم . فصل [ في أن اللّه تعالى عم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات اللّه ] واعلم أنّه تعالى عمّ بهذا التّمثيل جميع المكذبين بآيات اللّه . قال ابن عبّاس : يريد أهل مكّة لأنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ، ويدعوهم إلى طاعة اللّه ، فلمّا جاءهم نبيّ لا يشكّون في صدقه كذّبوه ، فلم يهتدوا ، وبقوا على الضّلال في كل الأحوال ، إن وعظته فهو ضالّ ، وإن تركته فهو ضالّ ، مثل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث ، وإن تركته على حاله يلهث فهو لاهث في كل الأحوال « 1 » . ثم قال : « فاقصص القصص » أي : قصص الذين كفروا ، وكذّبوا بآياتنا . « لعلّهم يتفكّرون » أي : يتّعظون . قوله : « ساء مثلا » « ساء » بمعنى : « بئس » ، وفاعلها مضمر فيها ، ومثلا تمييز مفسّر له ، وقد تقدم [ النساء 38 ] أنّ فاعل هذا الباب إذا كان ضميرا يفسّر بما بعده ويستغنى عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين ، وتقدّم أنّ « ساء » أصلها التّعدّي لمفعول ، والمخصوص بالذم لا يكون إلا من جنس التمييز ، والتمييز مفسّر للفاعل فهو هو ، فلزم أن يصدق الفاعل والتمييز والمخصوص على شيء واحد ، إذا عرف هذا فقوله : « القوم » غير صادق على التمييز والفاعل فلا جرم أنّه لا بدّ من تقدير محذوف إمّا من التّمييز ، وإمّا من المخصوص . فالأوّل يقدّر : ساء أصحاب مثل أو أهل مثل القوم ، والثاني يقدر : ساء مثلا مثل القوم ، ثم حذف المضاف في التقديرين ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذه الجملة تأكيد للّتي قبلها . وقرأ الحسن « 2 » والأعمش وعيسى بن عمر : « ساء مثل القوم » برفع « مثل » مضافا للقوم .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 47 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 179 ، والمحرر الوجيز 2 / 479 ، والبحر المحيط 4 / 424 ، والدر المصون 3 / 373 .