عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
368
اللباب في علوم الكتاب
هذه الآية تدلّ على أن المراد بقوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ جملة اليهود ، ومعنى « قطّعناهم » أي : فرقناهم في الأرض ، وهذا يدلّ على أنّه لا أرض مسكونة إلّا وفيها منهم أمة ، وهذا هو الغالب . وقوله : « أمما » إمّا حال من مفعول « قطّعناهم » ، وإمّا مفعول ثان على ما تقدّم من أنّ « قطّع » تضمّن معنى : صيّر . و « مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ » صفة ل « أمم » . وقال أبو البقاء : « أو بدل منه ، أي : من أمم » . يعني : أنّه حال من مفعول : « قطّعناهم » أي : فرّقناهم حال كونهم منهم الصّالحون . قيل : المراد ب « الصّالحين » الذين كانوا في زمن موسى - عليه الصّلاة والسّلام - ؛ لأنّه كان فيهم قوم يهدون بالحق . وقال قتادة : هم الذين وراء نهر وداف من وراء الصّين « 1 » . وقال ابن عباس ومجاهد : هم الذين آمنوا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ك : عبد اللّه بن سلام وغيره « 2 » . وقوله : « وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ » أي : من أقام على اليهوديّة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : « وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ » من يكون صالحا إلّا أنّ صلاحه دون صلاح الأولين ؛ لأنّه أقرب إلى الظاهر ؟ فالجواب : أن قوله بعد ذلك : « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » يدل على أنّ المراد من ثبت على اليهوديّة . قوله : « وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ » « منهم » خبر مقدم ، و « دون ذلك » : نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ ، والتقدير : ومنهم ناس أو قوم دون ذلك . قال الزمخشري « 3 » : معناه : ومنهم ناس منحطّون عن الصّلاح ، ونحوه : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] . بمعنى : ما منّا أحد إلّا له مقام معلوم . يعني في كونه حذف الموصوف وأقيم الجملة الوصفية مقامه ، كما قام مقامه الظرف الوصفيّ ، والتفصيل ب « من » يجوز فيه حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه كقولهم : منّا ظعن ومنّا أقام . وقال ابن عطيّة « 4 » : فإن أريد بالصّلاح الإيمان ف « دون » بمعنى « غير » يراد به الكفرة . قال أبو حيان « 5 » : إن أراد أنّ دون ترادف « غيرا » ، فليس بصحيح ، وإن أراد أنّه يلزم أنّ من كان دون شيء أن يكون غيرا له فصحيح ، وذلك إمّا أن يشار به إلى الصّلاح وإمّا أن يشار به إلى الجماعة ، فإن أشير به إلى الصلاح ؛ فلا بد من حذف مضاف ، ليصحّ
--> ( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 209 - 210 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : تفسير الكشاف 2 / 173 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 471 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 413 .