عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

353

اللباب في علوم الكتاب

سيبويه ، ولا إلى ما ذهب إليه المبرّد ؛ لأنّه عند المبرد اسم جمع فالضّمّة في فائه أصل وليست بدلا من الفتحة بل أحدث قولا ثالثا . فصل [ في تفسير الآيتين ] قال المفسّرون : إنهم احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه ، فأمر اللّه تعالى موسى - عليه الصّلاة والسّلام - أن يضرب بعصاه الحجر ، وكانوا يذرءونه مع أنفسهم ، فيأخذون منه قدر الحاجة ، ولمّا أن ذكر تعالى كيف كان يستقيم ، ذكر ثانيا أنّه ظلّل الغمام عليهم في التّيه تقيهم حرّ الشّمس ، وثالثا : أنّه أنزل عليهم المنّ والسّلوى ، ومجموع هذه الأحوال نعمة من اللّه تعالى . ثمّ قال : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ والمراد قصر نفوسهم على ذلك المطعوم ، وترك غيره . وقرأ عيسى « 1 » الهمدانيّ ما رزقتكم بالإفراد . ثمّ قال وما ظلمونا وفيه حذف ؛ لأنّ هذا الكلام إنّما يحسن ذكره لو أنّهم تعدوا ما أمرهم اللّه به ، إمّا لكونهم ادّخروا ما منعهم اللّه منه ، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم اللّه منه ؛ أو لأنّهم سألوا عن ذلك مع أنّ اللّه منعهم منه والمكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه ، ولذلك وصفهم اللّه بقوله : وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ؛ لأنّ المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلّا نفسه . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 161 إلى 162 ] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 161 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ( 162 ) قوله تعالى : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الآية . اعلم أنّ هذه القصة قد تقدّمت مشروحة في سورة البقرة إلّا أنّ بينهما تفاوتا من وجوه : أحدها : أنّه عيّن القائل في سورة البقرة ، فقال وإذ قلنا وههنا أبهمه فقال وإذ قيل . وثانيها : قال في سورة البقرة « ادخلوا » وقال هاهنا « اسكنوا » . وثالثها : قال في سورة البقرة فكلوا بالفاء ، وههنا بالواو . ورابعها : قال هناك رغدا وأسقطها ههنا . وخامسها : قدّم هناك قوله وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً على « وقولوا حطّة » وههنا على العكس .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 466 ، والبحر المحيط 4 / 406 ، والدر المصون 3 / 359 .