عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

328

اللباب في علوم الكتاب

محذوف ، والتقدير : اتّخذوا العجل إلها ومعبودا ، يدلّ على هذا المحذوف قوله تعالى : فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 88 ] وللمفسرين ههنا طريقان : أحدهما : المراد بالذين اتّخذوا العجل قوم موسى ، وعلى هذا فيه سؤال هو أن أولئك القوم تاب اللّه عليهم : بأن قتلوا أنفسهم في معرض التّوبة على ذنبهم ، وإذا تاب اللّه عليهم فكيف قيل في حقّهم : « سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » ؟ ويجاب عنه بأن ذلك الغضب إنّما حصل في الدّنيا لا في الآخرة ، وهو أنّ اللّه تعالى أمرهم بقتل أنفسهم والمراد بقوله : « وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » هو أنّهم قد ضلّوا فذلّوا . فإن قيل : السّين في قوله سينالهم للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدّنيا ؟ فالجواب : أنّ هذا حكاية عمّا أخبر اللّه به موسى حين أخبره بافتتان قومه ، واتّخاذهم العجل ، وأخبره في ذلك الوقت أن سينالهم غضب من ربهم وذلّة ، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم في القتل وفي الذّلّة فصحّ هذا التّأويل . الطريق الثاني : أنّ المراد بالذين اتّخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى هذا فيه وجهان : أحدهما : أنّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقب ؛ يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا ، وإنّما فعل ذلك أسلافهم كذلك ههنا . قال عطيّة العوفيّ : أراد بهم اليهود الذين كانوا في عصر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، عيّرهم بصنع آبائهم ونسبه إليهم ، ثمّ حكم عليهم بأنّه : « سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ » في الآخرة : « وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » أراد : ما أصاب بني قريظة والنّضير من القتل والجلاء . وقال ابن عبّاس : هي الجزية . الوجه الثاني : أن يكون التقدير : « إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ » أي الذين باشروا ذلك سينالهم أي : سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه . ثمّ قال : « وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ » أي : ومثل ذلك النّيل والغضب والذّلّة « نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ » الكاذبين . قال أبو قلابة : « هو واللّه جزاء كلّ مفتر إلى يوم القيامة أن يذلّه اللّه » . وقال سفيان بن عيينة : « هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة » . وقال مالك بن أنس : « ما من مبتدع إلّا ويجد فوق رأسه ذلّة » . قوله : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ مبتدأ وخبره قوله إنّ ربّك إلى آخره . والعائد محذوف ، والتقدير : غفور لهم ورحيم بهم ، كقوله : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 43 ] أي منه . قوله : من بعدها يجوز أن يعود الضمير على السّيّئات ، وهو الظاهر ، ويجوز أن يكون عائدا على التوبة المدلول عليها بقوله : « ثمّ تابوا » أي : من بعد التوبة .