عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

324

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « وألقى الألواح » أي الّتي فيها التّوراة على الأرض من شدّة الغضب . قالت الرّواة : كانت التّوراة سبعة أسباع ، فلمّا ألقاها انكسرت ، فرفع منها ستّة أسباع ، وبقي سبع واحد فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام . ولقائل أن يقول : ليس في القرآن إلّا أنّه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسّرت ، فليس في القرآن وإنّه جرأة عظيمة على كتاب اللّه تعالى ، ومثله لا يليق بالأنبياء ، ويرد هذا قوله تعالى بعد ذلك : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ [ الأعراف : 154 ] فدلّ ذلك على أنّها لم تنكسر ، ولا شيء منها ، وأنّ القائلين بأنّ ستة أسباعها رفعت إلى السّماء ، ليس الأمر كذلك ، وأنّه أخذها بأعيانها . قوله : « أخذ برأس أخيه » بذؤابته ولحيته ، لقوله : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] . قوله : « يجرّه إليه » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ الجملة حال من ضمير موسى المستتر في أخذ ، أي : أخذه جارّا إليه . الثاني : أنّها حال من رأس قاله أبو البقاء ، وفيه نظر لعدم الرّابط . والثالث : أنّها حال من أخيه . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف » يعني من حيث إنّ الحال من المضاف إليه يقلّ مجيئها ، أو يمتنع عند بعضهم وقد تقدّم أن بعضهم يجوّزه في صور ، هذه منها وهو كون المضاف جزءا من المضاف إليه . فصل [ في اختلاف الطاعنين في عصمة الأنبياء والمثبتين لعصمة الأنبياء ] الطّاعنون في عصمة الأنبياء يقولون : إنه أخذ برأس أخيه يجرّه على سبيل الإهانة ، والمثبتون لعصمة الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - قالوا : إنّه جرّ أخاه ليسأله ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة . فإن قيل : فلم يقال : « ابن أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » ؟ فالجواب : أنّ هارون - عليه السّلام - خاف أن يتوهّم جهّال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كما غضب على عبدة العجل . فقال : قد نهيتهم ، ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم به عن هذا العمل ؛ فلا تفعل ما تشمت أعدائي ، فهم أعداؤك فإنّ القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله على الإهانة لا على الإكرام . قوله : ابن أمّ قرأ الأخوان ، وأبو بكر « 1 » ، وابن عامر هنا ، وفي طه ، بكسر الميم ، والباقون بفتحها . فأمّا الفتح ففيها مذهبان .

--> ( 1 ) ينظر : السبعة 295 ، والحجة 4 / 89 ، وإعراب القراءات 1 / 208 ، 209 ، وحجة القراءات 297 ، وإتحاف 2 / 63 .