عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

317

اللباب في علوم الكتاب

سكت رفعوا رؤوسهم . وقال وهب : كان يجوز ولا يتحرّك . وقال السدي : كان يخور ويمشي . ثم قال لهم هذا إلهكم وإله موسى . فإن قيل لم قال : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى والمتّخذ هو السّامريّ ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أنّ اللّه نسب الفعل إليهم ، لأنّ رجلا منهم باشره . كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد ، والثاني : أنّهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنّهم اجتمعوا عليه . فإن قيل : لم قال : « من حليّهم » ولم يكن الحلي لهم ، وإنّما استعاروها ؟ فالجواب : أنّه لمّا أهلك اللّه قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ملكا لهم كقوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ - إلى قوله - كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [ الدخان : 25 - 28 ] . فصل [ في أن الذين عبدوا العجل كانوا كل قوم موسى ] قيل إنّ الذين عبدوا العجل كانوا كل قوم موسى . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون ، لعموم هذه الآية . ولقول موسى - عليه الصّلاة والسّلام - : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [ الأعراف : 151 ] ، فتخصيص نفسه وأخيه بالدّعاء يدلّ على أنّ غيرهما ما كان أهلا للدعاء ، ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك . وقيل : بل كان منهم من ثبت على إيمانه لقوله تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] . قوله : « ألم يروا » إن قلنا : إنّ اتّخذ متعدية لاثنين ، وإنّ الثّاني محذوف ، تقديره : واتّخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا إلها ، فلا حاجة حينئذ إلى ادّعاء حذف جملة يتوجّه عليها هذا الإنكار ، وإن قلنا : إنّها متعدية لواحد بمعنى : صنع وعمل أو متعدية لاثنين ، والثاني هو : من حليّهم فلا بدّ من حذف جملة قبل ذلك ، ليتوجّه عليها الإنكار ، والتقدير : يعبدوه ، ويروا يجوز أن تكون العلمية ، وهو الظّاهر وأن تكون البصرية ، وهو بعيد . فصل [ في أنه تعالى احتج على فساد هذا المذهب وكون العجل إلها ] اعلم أنّه تعالى احتجّ على فساد هذا المذهب وكون العجل إلها بقوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وتقرير هذا الدّليل أنّ هذا العجل لا يمكنه أن يكلّمهم ، ولا يهديهم إلى الصّواب والرّشد ومن كان كذلك كان إمّا جمادا ، وإمّا حيوانا ، وكلاهما لا يصلح للإلهيّة . ثم قال تعالى : اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة اللّه واشتغلوا بعبادة العجل .