عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
293
اللباب في علوم الكتاب
عن أبي عمرو أيضا ، والباقون بالضمّ ، وهما لغتان في المضارع ك « يعرشون » . وقد تقدّم معنى « العكوف » واشتقاقه في البقرة . قال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولا بالرّقّة « 1 » . وقال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر ، وذلك أول شأن قصة العجل « 2 » . قال الكلبيّ : عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه ، فصاموه شكرا للّه عزّ وجلّ . قوله : قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً أي : مثالا نعبده . ولم يكن ذلك شكّا من بني إسرائيل في وحدانية اللّه ، وإنّما معناه : اجعل لنا شيئا نعظمه ، ونتقرب بتعظيمه إلى اللّه ، وظنّوا أنّ ذلك لا يضر الدّيانة ، وكان ذلك لشدّة جهلهم ؛ لأنّ العبادة غاية التّعظيم ، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وهو خالق الجسم ، والحياة والقدرة ، والعقل ، والأشياء المنتفع بها . وليس ذلك إلّا اللّه تعالى . فصل [ في تفسير الآيات ] واعلم أنّ هذا القول لم يصدر عن كلّهم ، وإنّما صدر من بعضهم ؛ لأنّه كان مع موسى السبعون المختارون ، وفيهم من يرتفع عن مثل هذا السّؤال . قوله كما لهم آلهة الكاف في محلّ نصب صفة ل « إلها » ، أي : إلها مماثلا لإلههم . وفي « ما » ثلاثة أوجه : أحدها : موصولة حرفية ، أي : تتأوّل بمصدر ، وعلى هذا فصلتها محذوفة ، وإذا حذفت صلة « ما » المصدريّة ، فلا بدّ من إبقاء معمول صلتها ، كقولهم : لا أكلّمك ما أنّ حراء مكانه ، أي : ما ثبت أنّ حراء مكانه ، وكذا هنا تقديره : كما ثبت لهم آلهة ، ف « آلهة » فاعل « ثبت » المقدر ، أي : كما أنّ « أنّ » المفتوحة في المثال المتقدم فاعل « ثبت » المقدر . وقال أبو البقاء « 3 » - هذا الوجه - ليس بجيد « والجملة بعدها صلة لها ، وحسّن ذلك أنّ الظرف مقدّر بالفعل » . فصل [ قول شهاب الدين ] قال شهاب الدّين : كلامه على ظاهره ليس بجيّد ؛ لأنّ « ما » المصدرية لا توصل بالجملة الاسمية على المشهور ، وعلى رأي من يجوّز ذلك ، فيشترط فيها غالبا أن تفهم الوقت كقوله : [ الكامل ]
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 46 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 213 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 46 ) وابن المنذر كما في « الدرّ المنثور » ( 3 / 213 ) . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 284 .