عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
289
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « بأنّهم » الباء للسببيّة ، أي : أغرقناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا ، وكونهم عنها غافلين ، أي : غافلين عن آياتنا ، فالضّمير في عنها يعود على الآيات ، وهذا هو الظّاهر . وبه قال الزّجّاج « 1 » وغيره . وقيل : يجوز أن يعود على النّقمة المدلول عليها ب « انتقمنا » ويعزى هذا لابن عباس ، وكأن القائل بذلك تخيّل أنّ الغفلة عن الآيات عذر لهم من حيث إنّ الغفلة ليست من كسب الإنسان . وقال الجمهور : إنّهم تعاطوا أسباب الغفلة ، فذمّوا عليها ، كما يذمّ الناس على نسيانه لتعاطيه أسبابه . فصل قوله : « وأورثنا » يتعدى لاثنين ، لأنّه قبل النّقل بالهمزة متعدّ لواحد نحو : ورثت أبي ، فبالنّقل اكتسب آخر . فأولهما : القوم والّذين وصلته في محل نصب نعتا له . وأما المفعول الثّاني ففيه ثلاثة أوجه ، أظهرها : أنّه « مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا » . وفي قوله : « الَّتِي بارَكْنا فِيها » على هذا وجهان : أحدهما : أنّه نعت ل : مشارق ومغارب . والثاني : أنّه نعت للأرض ، وفيه ضعف من حيث الفصل بالمعطوف بين الصفة والموصوف . وهو نظير قولك : قام غلام هند وزيد العاقلة . وقال أبو البقاء « 2 » هنا : وفيه ضعف ؛ لأنّ فيه العطف على الموصوف قبل الصّفة . وهذا سبق لسان أو قلم ؛ لأنّ العطف ليس على الموصوف ، بل على ما أضيف إلى الموصوف . والثاني من الأوجه الثلاثة : أن المفعول الثاني هو : « الَّتِي بارَكْنا فِيها » أي : أورثناهم الأرض التي باركنا فيها . وفي قوله تعالى : مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا وجهان : أحدهما : هو منصوب على الظّرف ب « يستضعفون » . والثاني : أنّ تقديره : يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها فلمّا حذف الحرف وصل الفعل بنفسه ؛ فنصب ، هكذا قال أبو البقاء . قال شهاب الدّين : ولا أدري كيف يكونان وجهين ، فإنّ القول بالظّرفية هو عين القول بكونه على تقدير في ؛ لأنّ كلّ ظرف مقدّر ب « في » فكيف يجعل شيئا واحدا شيئين ؟
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 2 / 410 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 283 .