عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
28
اللباب في علوم الكتاب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم * عروش الّذين استرهنوا قوس حاجب « 1 » وهذه الوقعة إنّما كانت في أسلافهم . والترّتيب أيضا واضح على هذا . ومن قال : إن الأولى للتّرتيب الزّماني ، والثّانية للتّرتيب الإخباريّ اختلفت عباراتهم أيضا . فقال بعضهم : المراد بالخطاب الأوّل آدم ، وبالثّاني ذرّيّته ، والترتيب الزّمانيّ واضح و « ثمّ » الثّانية للتّرتيب الإخباريّ . وقال بعضهم : ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثمّ صوّرناكم في بطون أمهاتكم . وقال بعضهم : [ ولقد خلقنا ] أرواحكم ثم صوّرنا أجسامكم ، وهذا غريب نقله القاضي أبو عليّ « 2 » في « المعتمد » . وقال بعضهم : خلقناكم نطفا في أصلاب الرّجال ، ثمّ صوّرناكم في أرحام النّساء . وقال بعضهم : ولقد خلقناكم في بطون أمّهاتكم وصوّرناكم فيها بعد الخلق بشقّ السّمع والبصر ، ف « ثمّ » الأولى للتّرتيب الزّمانيّ ، والثانية للترتيب الإخباري أي : ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة . وقيل : إنّ « ثمّ » الثانية بمعنى « الواو » [ أي ] وقلنا للملائكة فلا تكون للتّرتيب . وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : ولقد خلقناكم يعني آدم ، ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا ، ثمّ صوّرناكم . وقال بعضهم : إنّ الخلق في اللّغة عبارة عن التقدير ، وتقدير اللّه عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كلّ شيء بمقداره المعيّن ، فقوله « خلقناكم » إشارة إلى حكم اللّه ، وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم . وقوله « صوّرناكم » إشارة إلى أنّه تعالى [ أثبت في اللّوح المحفوظ صورة كل كائن يحدث ] « 3 » إلى يوم القيامة ، فخلق اللّه تعالى عبارة عن حكمه ومشيئته ، والتّصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللّوح المحفوظ . ثم بعد هذين الأمرين أحدث اللّه تعالى آدم ، وأمر الملائكة بالسّجود . قال ابن الخطيب « 4 » : وهذا التّأويل عندي أقرب من سائر الوجوه . وقد تقدّم الكلام في هذا السّجود ، واختلاف الناس فيه في سورة البقرة . قوله : « إلّا إبليس » تقدّم الكلام عليه في البقرة « 5 » . وكان الحسن يقول : إبليس لم
--> ( 1 ) البيتان لأبي تمام ينظر : ديوانه 42 ، الخزانة 1 / 354 ، البحر 4 / 272 ، الدر المصون 3 / 239 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 239 . ( 3 ) في أ : قال . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 26 . ( 5 ) ينظر تفسير سورة البقرة الآيات ( 40 - 42 )