عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
278
اللباب في علوم الكتاب
فأثبت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الفأل ، وأبطل الطّيرة . والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية والطيرية ، فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها ؛ بخلاف طيران الطير ، وحركات البهائم ، فإن أرواحها ضعيفة ، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال ، ثم قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ أي ] : أن الكل من اللّه تعالى ؛ لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ، ويقطعونها عن قضاء اللّه وقدره ، والحق أن الكل من اللّه ؛ لأن كل موجود إما واجب لذاته ، أو ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد ، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، فكان الكل من اللّه - تعالى - ، فإسنادها إلى غير اللّه يكون جهلا بكمال اللّه تعالى . قال الأزهريّ « 1 » : قيل للشّؤم طائر وطير ، لأنّ العرب كانت إذ خرجت وطار الطّائر ذات اليسار تشاءموا بها ، فسموا الشّؤم طيرا وطائرا لتشاؤمهم بها . قال القرطبيّ : وأصل هذا من الطّيرة وزجر الطّير ، ثمّ كثر استعمالهم حتّى قيل لكلّ من تشاءم : تطيّر . وكانت العرب تتيمّن بالسّانح : وهو الذي يأتي من ناحية اليمين وتتشاءم بالبارح : وهو الذي يأتي من ناحية الشّمال . وكانوا يتطيّرون أيضا بصوت الغراب ويتأوّلونه البين ، ويستدلّون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور ، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك . ويتطيّر الأعاجم إذا رأوا صبيّا يذهب به إلى المعلّم بالغداة ، ويتيمّنون برؤية صبيّ يرجع من عند المعلم إلى بيته ، ويتشاءمون برؤية السّقّاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة ، ويتيمّنون برؤية فارغ السّقاء مفتوحة ، ويتشاءمون برؤية الحمّال المثقل بالحمل والدّابّة الموقرة ، ويتيّمنون بالحمّال الذي وضع حمله ، وبالدّابة الّتي وضع عنها . فجاء الإسلام بالنّهي عن التّطيّر ، والتّشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان ، وعلى أيّ حال كان ؛ فقال عليه الصلاة والسلام : « أقرّوا الطّير على مكناتها » وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة ذهب إلى الطّير في وكرها فنفّرها فإذا أخذت يمينا مضى إلى حاجته ، وهذا هو السّانح عندهم ، وإن أخذت شمالا رجع وهذا هو البارح عندهم ، فنهى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذا بقوله « أقرّوا الطّير على مكانتها » . هكذا في الحديث . وأهل العربيّة يقولون : « وكناتها » ، والوكنة : اسم لكلّ وكر وعشّ . والوكن : اسم للموضع الذي يبيض فيه الطّائر ويفرخ ، وهو الخرق في الحيطان والشّجر . ويقال : وكن الطائر يكن « 2 » وكنا ووكونا : دخل في الوكن ، ووكن بيضه ، وعليه :
--> ( 1 ) ينظر : تهذيب اللغة 11 / 426 . ( 2 ) في ب وكن الطير يكن وكونا إذا حضر بيضة .