عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

276

اللباب في علوم الكتاب

ويؤيّد ذلك ما في سورة يوسف [ الآية 47 ] : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً . ثم قال : « سَبْعٌ شِدادٌ » فهذا في الجدب . وقال : « ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ » . وقوله : « مِنَ الثَّمَراتِ » متعلّق ب « نقص » . قال قتادة : أمّا السنون فلأهل البوادي ، وأمّا نقص الثّمرات فلأهل الأمصار . « لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » يتّعظون ، وذلك لأنّ الشدة ترقق القلوب ، وترغب فيما عند اللّه . قال تعالى : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ . فصل [ في دلالة الآية على أنه تعالى فعل ذلك لإرادة أن يذكّروا وأن لا يقيموا على كفرهم ] قال القاضي : هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى فعل ذلك لإرادة أن يذكّروا وأن لا يقيموا على كفرهم ، وأجاب الواحديّ : « بأنّه قد جاء لفظا الابتلاء ، والاختبار في القرآن لا بمعنى أنّه تعالى يمتحنهم ، لأنّ ذلك على اللّه محال ، بل إنّه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء ، والامتحان ، فكذا ههنا » . ثم بيّن أنّهم عند نزول تلك المحن عليهم يزيدون في الكفر ، والمعصية . فقال : « فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ » . قال ابن عبّاس : يريد بالحسنة : العشب ، والخصب ، والمواشي ، والثّمار وسعة الرزق ، والعافية ، أي : نحن أهلها ومستحقّوها على العادة فلم يشكروا ويقوموا للّه بحق « 1 » النّعمة . « وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ » أي : قحط وجدب وبلاء ومرض . « يطّيّروا بموسى ومن معه » أي : يتشاءموا بموسى ، ومن معه ، ويقولوا : إنّما أصابنا هذا الشّرّ بشؤم موسى وقومه . قال سعيد بن جبير ومحمّد بن المنكدر : كان ملك فرعون أربعمائة سنة ، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها ، ولو كان حصل له في تلك المدّة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادّعى الرّبوبيّة قط « 2 » . فصل [ في توضيح جانب الحسنة وجانب السيئة ] أتى في جانب الحسنة ب « إذا » الّتي للمحقق ، وعرّفت الحسنة ، لسعة رحمة اللّه تعالى ، ولأنّها أمر محبوب ، كلّ أحد يتمناه ، وأتى في جانب السيئة ب « إن » التي للمشكوك فيه ، ونكّرت السيئة ، لأنّه أمر كل أحد يحذره . وقد أوضح الزمخشري ذلك فقال : فإن قلت : كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة ب « إذا » وتعريف الحسنة و « إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ » ب « إن » وتنكير السيئة ؟

--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 174 ) عن ابن عباس . ( 2 ) تقدم .