عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
243
اللباب في علوم الكتاب
الظّاهر أنّه متعلق بالوجدان كقولك : ما وجدت له مالا أي : ما صادفت له مالا ولا لقيته . الثاني : أن يكون حالا من « عهد » ؛ لأنّه في الأصل صفة نكرة فلما قدّم عليها نصب على الحال ، والأصل : ما وجدنا عهدا لأكثرهم ، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء غيره . وعلى هذين الوجهين ف « وجد » متعدّية لواحد وهو « من عهد » ، و « من » مزيدة فيه لوجود الشرطين . الثالث : أنّه في محلّ نصب مفعولا ثانيا لوجد إذ هي بمعنى علمية ، والمفعول هو « من عهد » . وقد يترجّح هذا بأنّ « وجد » الثانية علمية لا وجدانيّة بمعنى الإصابة ، وسيأتي دليل ذلك . وإذا تقرّر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ومناسبة له ، ومن يرجّح الأوّل يقول : إنّ الأولى لمعنى ، والثّانية لمعنى آخر . فصل في معنى الآية قال ابن عباس : يريد : وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، الوفاء بالعهد الذي عاهدهم عليه وهم في صلب آدم « 1 » حيث قال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . وقال ابن مسعود : « المراد بالعهد هاهنا الإيمان ، لقوله تعالى : إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [ مريم : 87 ] أي قال : لا إله إلا اللّه » . وقيل : المراد بالعهد وضع الأدلّة على صحّة التّوحيد والنّبوة [ تقديره : ] وما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد . قوله : « وإن وجدنا » « إن » هذه هي المخفّفة وليست هنا عاملة لمباشرتها الفعل فزال اختصاصها المقتضي لإعمالها . وقال الزّمخشريّ « 2 » : « وإنّ الشّأن والحديث وجدنا » . فظاهر هذه العبارة أنّها معملة ، وأنّ اسمها ضمير الأمر والشّأن ، وقد صرّح أبو البقاء « 3 » هنا بأنّها معملة ، وأن اسمها محذوف ، إلا أنّه لم يقدّره ضمير الحديث بل غيره فقال : « واسمها محذوف أي : إنّا وجدنا » . وهذا مذهب النّحويين أعني اعتقاد إعمال المخفّف من هذه الحروف في « أن » المفتوحة على الصّحيح ، وفي « كأن » التّشبيهية ، وأمّا « إن » المخففة المكسورة فلا . وقد تقدّم إيضاحه . ووجدنا هنا متعدية لاثنين أولهما « أكثرهم » ، والثاني « لفاسقين » ، قال الزمخشريّ : والوجود بمعنى العلم من قولك : وجدت زيدا ذا الحفاظ بدليل دخول « إن » المخفّفة ، واللّام الفارقة ولا يسوغ ذلك إلّا في المبتدأ والخبر والأفعال الدّاخلة عليهما يعني أنها مختصة
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 14 ) عن ابن عباس . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 195 ) وعزاه لابن أبي حاتم . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 136 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 281 .