عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
230
اللباب في علوم الكتاب
قوله : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يغنون : بمعنى يقيمون يقال : غني بالمكان يغنى فيه أي : أقام دهرا طويلا ، والمغاني المنازل التي كانوا فيها واحدها مغنى ، وقيّده بعضهم بالإقامة في عيش رغد ، فهو أخصّ من مطلق الإقامة ؛ قال الأسود بن يعفر : [ الكامل ] 2526 - ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد « 1 » وقيل : معنى الآية هنا من الغنى الذي هو ضد الفقر ، قاله الزجاج « 2 » وابن الأنباري وتابعهما ابن عطية « 3 » ؛ وأنشدوا : [ الطويل ] 2527 - غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى * [ كما الدّهر في أيّامه العسر واليسر ] كسبنا صروف الدّهر لينا وغلظة * وكلّا سقاناه بكأسهما الدّهر « 4 » قالوا : معناه استغنينا ورضينا ، فمعنى « كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا » كأن لم يعيشوا فيها مستغنين . قال ابن الخطيب « 5 » : فعلى هذا التفسير شبّه اللّه - تعالى - حال هؤلاء المكذبين بحال من من لم يكن قط في تلك الديار قال الشاعر : [ الطويل ] 2528 - كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا * صروف اللّيالي والحدود العواثر « 6 » وقدّر الراغب غني بمعنى الإقامة بالمكان إلى معنى الغنى الذي هو ضد الفقر فقال : « وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره » . قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا كرر قوله : « الذين كذبوا شعيبا » تعظيما لذمهم وتعظيما لما يستحقون من الجزاء ، والعرب تكرر مثل هذا في التعظيم والتفخيم ، فيقول الرجل لغيره : « أخوك الذي ظلمنا ، أخوك الذي أخذ أموالنا ، أخوك الذي هتك أعراضنا » ، ولمّا قال القوم : « لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ » بيّن اللّه - تعالى - أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون ، وقد تقدم الكلام على قوله : « فتولّى عنهم » في أن التولي بعد نزول العذاب أو قبله . قال الكلبي : « لم يعذب قوم نبي حتى أخرج من نبيهم » .
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 14 / 148 ، والدر المصون 3 / 306 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 2 / 396 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 430 . ( 4 ) ينظر : القرطبي 7 / 161 ، والمحرر الوجيز 2 / 430 ، وروح المعاني 5 / 6 . واللسان ( صعلك ) . ( 5 ) ينظر : الرازي 14 / 148 . ( 6 ) البيتان لعمرو بن الحارث بن مضاص أو للحارث الجرهمي . ينظر لسان العرب ( حجن ) ، ومعجم البلدان 2 / 260 ، والفخر الرازي 14 / 148 ، والمحرر الوجيز 2 / 430 .