عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

225

اللباب في علوم الكتاب

فإنا نعود إليها ، والشريعة المنسوخة لا يبعد أن يأمر اللّه ] « 1 » بالعمل بها مرة أخرى ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم « 2 » . وسادسها : قال الجبائي « 3 » : المراد من الملّة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصلاة والصيام وغيرهما ، فقال شعيب : « وما كان لنا أن نعود في ملتكم » فلما دخل في ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقيا غير منسوخ ، لا جرم قال : « إلا أن يشاء اللّه » والمعنى : إلا أن يشاء اللّه بقاء بعضها ، فيدلّنا عليه ، فحينئذ نعود إليها ، فهذا الاستثناء يعود إلى الأحكام التي يجوز النسخ والتغيير فيها ، ولا يعود إلى ما لا يقبل التغيير البتة ، فهذه أسئلة القوم « 4 » . وتمسك المعتزلة بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين « 5 » : الأول : أن ظاهر قوله « وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللّه » يقتضي أنه لو شاء اللّه عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها ، وذلك يقتضي أن كلّ ما شاء اللّه وجوده كان فعله جائزا مأذونا فيه ، ولم يكن حراما ، قالوا : وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد حصوله كان حسنا مأذونا فيه ، وما كان حراما ممنوعا منه لم يكن مرادا للّه تعالى . الثاني : أن قولهم : « لنخرجنّك أو لتعودنّ » لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم ، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق اللّه وعودهم إلى تلك القرية أيضا بخلقه ، وإذا كان حصول القسمين بخلق اللّه ، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة . واعلم أنه لمّا تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى بقية الآيات في هذا الباب . قوله : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً نصب « علما » على التمييز وهو منقول من الفاعلية ، تقديره : وسع علم ربّنا كلّ شيء كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 24 ] والمعنى : أحاط علمه بكل شيء . ثم قال : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا فيما توعدوننا به ، ثم دعا شعيب بعدما أيس من فلاحهم فقال : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ . قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : « احكم واقض » « 6 » . وقال الفراء : « وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح ؛ لأنه يفتح مواضع الحقّ » .

--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 146 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 146 . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 146 . ( 6 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 4 - 5 ) عن ابن عباس والحسن وقتادة . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 191 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم .