عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
22
اللباب في علوم الكتاب
أنه يجوز نصبه ، يعني أنّه لو قرىء به لكان جائزا ، وهذا أيضا لا حاجة إليه . قوله : « موازينه » فيها قولان : أحدهما : أنّها جمع ميزان : الآلة [ التي ] يوزن بها ، وإنّما جمع ؛ لأن كلّ إنسان له ميزان يخصّه على ما جاء في التّفسير ، أو جمع باعتبار الأعمال الكثيرة وعبّر عن هذا الحال بالمحل . والثاني : أنّها جمع موزون ، وهي الأعمال ، والجمع حينئذ ظاهر . قيل : إنّما جمع الميزان ههنا ، وفي قوله : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ الأنبياء : 47 ] ؛ لأنّه لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ، ولأفعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان . وقال الزّجّاج « 1 » : إنّما جمع الموازين ههنا لوجهين : الأوّل : أنّ العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد فيقولون : خرج فلان إلى مكّة راكبا البغال . والثاني : أن الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان . قال القرطبيّ « 2 » : والموازين جمع ميزان وأصله : « موزان » قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . فصل في المراد بالميزان قال مجاهد والأعمش والضّحّاك : المراد بالميزان العدل والقضاء « 3 » ، وذهب إلى هذا القول كثير من المتأخّرين قالوا : لأنّ لفظ الوزن على هذا المعنى شائع في اللّغة ؛ لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلّا بالكيل ، والوزن في الدّنيا ، فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ، ويؤيّد ذلك أنّ الرّجل إذا لم يكن له قدر ولا قيمة عند غيره يقال : إنّ فلانا لا يقيم لفلان وزنا . قال تعالى : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [ الكهف : 105 ] ، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي : يعادله ويساويه مع أنّه ليس هناك وزن في الحقيقة ؛ قال الشّاعر : [ الكامل ] 2405 - قد كنت عند لقائكم ذا قوّة * عندي لكلّ مخاصم ميزانه « 4 » أي عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه ، فجعل الوزن مثلا للعدل وإذا ثبت هذا فنقول : المراد من الآية هذا المعنى فقط ، والدّليل عليه أنّ الميزان إنّما يراد ليتوصل به
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 14 / 23 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 108 . ( 3 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » 14 / 22 . ( 4 ) ينظر : اللسان ( وزن ) ، والقرطبي 17 / 58 ، والرازي 14 / 22 .