عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

217

اللباب في علوم الكتاب

الأول : علمنا قبحه وفساده وبطلانه . الثاني : أن اللّه نجّى قومه من تلك الملة ، وإنما نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا منهم تغليبا للأكثر . الثالث : أن القوم أوهموا المستضعفين أنه كان على ملتهم ، فقوله : « بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها » أي على حسب معتقدكم . قوله : « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » في هذا الاستثناء وجهان : أحدهما : أنه متصل . والثاني : أنه منقطع . ثم القائلون بالاتصال مختلفون : فمنهم من قال : هو مستثنى من الأوقات [ العامة ] والتقدير : وما يكون لنا أن نعود فيها في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة اللّه ذلك ، وهذا متصور في حقّ من عدا شعيبا ، فإن الأنبياء لا يشاء اللّه ذلك لهم ؛ لأنه عصمهم . ومنهم من قال : « هو مستثنى من الأحوال العامة والتقدير : ما يكون لنا أن نعود فيها في كل حال إلا في حال مشيئة اللّه تعالى » . وقال ابن عطية : « ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبّد اللّه [ به ] المؤمنين ممّا تفعله الكفرة من القربات فلمّا قال لهم : إنا لا نعود في ملّتكم ، ثم خشي أن يتعبّد اللّه بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ويقول : هذه عودة إلى ملّتنا استثنى مشيئة اللّه فيما يمكن أن يتعبّد به » « 1 » . قال أبو حيان « 2 » : « وهذا الاحتمال لا يصحّ لأن قوله : « بعد إذ نجّانا اللّه منها » إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البر » . قال شهاب الدين « 3 » : « قد حكى ابن الأنباري هذا القول عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإرادة ثم قال : وهذا القول متناولة بعيد ، لأن فيه تبعيض الملّة » . وقيل : هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدّب . قال ابن عطية « 4 » : « ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ، ولو كان الكلام : « إلا إن شاء » قوي هذا التأويل » . وهذا الذي قاله سهو ؛ لأنّ الماضي يتخلّص للاستقبال بعد « إن » الشرطية ، كما يتخلّص المضارع له ب « أن » المصدرية . وقيل : إن الضمير في قوله : « فيها » ليس عائدا على الملّة ، بل عائد على الفرية ، والتقدير : وما يكون لنا أن نعود في الفرية إلا أن يشاء ربنا ، وهو حسن لولا بعده .

--> ( 1 ) في أ : يتعبده . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 346 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 304 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 429 .