عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
206
اللباب في علوم الكتاب
وجاء في النمل [ 55 ] تَجْهَلُونَ دلالة على أنّ جهلهم يتجدد كل وقت ولموافقة رؤوس الآي فإنها أفعال . فصل في الإسراف معنى « مسرفون » أي : يتجاوزون الحلال إلى الحرام . قال الحسن : « كانوا لا ينكحون إلا الغرباء » « 1 » . وقال الكلبيّ : « إنّ أوّل من عمل عمل قوم لوط إبليس ؛ لأنّ بلادهم أخصبت فانتجعها « 2 » أهل البلدان ، فتمثل لهم إبليس في صورة شابّ ، ثم دعا إلى دبره فنكح في دبره ، فأمر اللّه - تعالى - السّماء أن تحصبهم ، والأرض أن تخسف بهم « 3 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 82 ] وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 82 ) قوله : وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ العامّة على نصب « جواب » خبرا للكون ، والاسم « أن » وما في حيّزها وهو الأفصح ؛ إذ فيه جعل الأعراف اسما . وقرأ الحسن « 4 » « جواب » بالرّفع ، وهو اسمها ، والخبر « إلّا أن قالوا » وقد تقدّم ذلك . وأتى هنا بقوله « وما » ، وفي النّمل [ 56 ] والعنكبوت [ 24 ] « فما » ، والفاء هي الأصل في هذا الباب ؛ لأنّ المراد أنّهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته ، وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها ، فتعيّن هنا أنّها للتعقيب لأمر خارجي وهي العربية في السّورتين المذكورتين لأنّها اقتضت ذلك بوضعها . قوله : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي : أخرجوا لوطا وأتباعه ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي : يتنزهون عن أدبار الرّجال . وقيل : « يتطهّرون » يتباعدون عن المعاصي والآثام . وقيل : « يتطهّرون » أي على سبيل السخرية بهم ، كما يقول بعض الفسقة لمن وعظه من الصلحاء : أبعدوا عنّا هذا المتقشّف ، وأريحونا من هذا المتزهّد « 5 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 83 ] فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) المراد ب « أهله » : أنصاره وأتباعه .
--> ( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 7 / 156 ) عن الحسن . ( 2 ) النّجعة : عند العرب : المذهب في طلب الكلإ في موضعه . ينظر اللسان ( نجع ) . ( 3 ) ذكره القرطبي في تفسيره 7 / 156 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 425 ، والبحر المحيط 4 / 337 ، والدر المصون 3 / 298 . ( 5 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 139 ) .