عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
193
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : إنّما كانت آية ؛ لأنّهم كانوا في شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم مقام الماء في يوم شربهم . وقال الحسن بالعكس من ذلك فقال : إنّها لم تحلب قطرة لبن قط « 1 » . وقيل : وجه كونها آية أن يوم مجيئها إلى الماء ، كانت جميع الحيوانات تمتنع من الورود على الماء ، وفي يوم امتناعها ترد جميع الحيوانات « 2 » . واعلم أنّ القرآن قد دلّ على أنّها آية ، ولكن من أي الوجوه ؟ فليس في القرآن ذكره . فصل في تخصيص الناقة بهؤلاء القوم فإن قيل : تلك النّاقة كانت آية لكلّ أحد ، فلم خصّ أولئك القوم بها بقوله : « لكم آية » . فالجواب : من وجهين : الأول : أنّهم عاينوها ، وغيرهم أخبروا عنها ، وليس الخبر كالمعاينة « 3 » .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 14 / 132 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 132 . ( 3 ) رواه أحمد 1 / 271 وابن منيع والطبراني والمجمع 1 / 153 والعسكري وابن حبان وموارد 2087 والحاكم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما بزيادة أن اللّه قال لموسى إن قومك فعلوا كذا كذا فلما عاين ألقى الألواح . وفي لفظ أن موسى أخبر أن قومه قد ضلوا من بعده فلم يلق الألواح فلما رأى ما أحدثوا ألقى الألواح ، ورواه في الجامع الصغير عن أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم عن ابن عباس بلفظ ليس الخبر كالمعاينة إن اللّه تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت . وفي التحفة لابن حجر قبيل باب الربا ومن ثم ورد ليس الخبر العيان - بكسر العين ، وروى كثيرون منهم أحمد وابن حبان خبر يرحم اللّه موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر ، ورواه البغوي والدارقطني في الأفراد والطبراني في الأوسط عن هشيم وصححه الحاكم وابن حبان وغيرهما ، وأورده الضياء في المختارة وابن عدي وأبو يعلى الخليلي في الإرشاد من حديث ثمامة عن أنس . ومن هذا الوجه أورده الضياء في المختارة . وفي لفظ قال العسكري أراد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع بالأمر والاستفظاع له بمثل ما يهجم على قلب المعاين . قال وطعن بعض الملحدين في حديث موسى عليه السلام فقال لم يصدق بما أخبره به ربه ، وردّ بأنه ليس في هذا ما يدل على أنه لم يصدق أو شكّ فيما أخبره ولكن للعيان روعة للقلب فهو أبعث لهلعه من المسموع . قال ومن هذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكن ليطمئن قلبي لأن للمشاهدة والمعاينة حالا ليست لغيره وللّه در من قال : ولكن للعيان لطيف معنى * له سأل المعاينة الخليل وقد أشار ابن الحاجب في المختصر إلى هذا الحديث . وقال الزركشي ظن أكثر الشراح أنه ليس بحديث ، وزاد الحافظ ابن حجر في المجلس الثامن والخمسين بعد المائة من تخريجه وأغفله ابن كثير وتنبه له السبكي . وقال في اللآلىء فإن قيل هو معلول بما قاله ابن عدي في الكامل من أن هشيما لم يسمع هذا الحديث من أبي بشر وإنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه . قلت قال ابن حبان في -