عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

19

اللباب في علوم الكتاب

وقال ابن عطيّة « 1 » : وتحتمل الآية أن يكون المعنى : فما آلت دعاويهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف ؛ كقول الشاعر : [ الطويل ] 2403 - وقد شهدت قيس فما كان نصرها * قتيبة إلّا عضّها بالأباهم « 2 » و « إذ » منصوب ب « دعواهم » . وقوله : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ « كنّا » وخبرها في محل رفع خبر ل « إنّ » ، و « إنّ » وما في حيزها « 3 » في محل نصب محكيا ب « قالوا » ، و « قالوا » وما في حيزه لا محل له لوقوعه صلة ل « إنّ » ، و « أنّ » وما في حيزها « 3 » في محلّ رفع ، أو نصب على حسب ما تقدّم من كونها اسما ، أو خبرا . ومعنى الآية : أنّهم لم يقدروا على ردّ العذاب ، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالخيانة حين لا ينفع الاعتراف . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 6 ] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) القائم مقام الفاعل الجار والمجرور وفي كيفيّة النظم وجهان « 4 » : الأول : أنه تعالى لمّا أمر الرّسول أولا بالتبليغ ثم أمر الأمة بالقبول ، والمتابعة ، وذكر التّهديد على ترك القبول والمتابعة ، بذكر نزول العذاب في الدّنيا - أتبعه بنوع آخر من التّهديد وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة . الثاني : أنه تعالى لما قال : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أتبعه أنه لا يقتصر على الاعتراف منهم يوم القيامة ، بل ينضاف إليه أنّه تعالى يسأل الكلّ عن كيفيّة أعمالهم ، وبين أن هذا السؤال لا يختصّ بأهل العقاب ، بل هو عامّ بأهل العقاب والثّواب ، ونظيره قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] . فإن قيل : المقصود من السّؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعمالهم ، وقد أخبر عنهم أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين فما فائدة السّؤال بعده ؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [ الأعراف : 7 ] فإذا كان يقصّه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال ؟ فالجواب : أنّهم لمّا أقرّوا بأنّهم كانوا ظالمين مقصّرين سألوا بعد ذلك عن سبب الظّلم ، والتّقصير ، والمقصود منه التّقريع والتّوبيخ .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 374 . ( 2 ) البيت للفرزدق ينظر : ديوانه 2 / 311 ، المقتضب 4 / 90 ، اللسان ( بهم ) ، البحر المحيط 4 / 280 ، الدر المصون 3 / 235 ، المحرر الوجيز 2 / 374 . ( 3 ) في أ : خبرها . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 19 - 20 .