عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

178

اللباب في علوم الكتاب

الحقائق غير موجودة ، ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر فنقول : هذا الكلام بناء على أنّ الماهيّة لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها ، وذلك باطل قطعا ، إذ لو كان الأمر كذلك ؛ لوجب امتناع ارتفاع الوجود ؛ لأنّ الوجود أيضا حقيقة من الحقائق ، وماهيّة من الماهيّات ؛ فوجب ألا يرتفع الوجود أيضا ، فإن أمكن ارتفاع الوجود مع أنّه ماهيّة وحقيقة فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيّات . فصل في بيان أن المستحق للعبادة هو اللّه دلّ ظاهر الآية على أنّ الإله هو الذي يستحقّ العبادة ؛ لأن قوله : « اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره » إثبات ونفي ، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى : اعبدوا اللّه ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق النّفي والإثبات ، ثم ثبت بالدّليل أنّ الإله ليس هو المعبود ، وإلّا لوجب كون الأصنام آلهة ، وألّا يكون الإله إلها في الأزل ؛ لأنّه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الإله على أنّه المستحقّ للعبادة . قوله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . اختلفوا في معنى قوله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ هل هو اليقين ؟ أو الخوف بمعنى الظنّ والشكّ ؟ فقيل : المراد : الجزم واليقين ؛ لأنّه كان جازما أنّ العذاب ينزل بهم : إمّا في الدّنيا ، وإمّا في الآخرة ، إن لم يقبلوا الدّعوة . وقيل : بل المراد منه الشّكّ لوجوه : [ أحدها ] : إنّما قال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ؛ لأنّه جوّز أن يؤمنوا ، وأن يستمروا على كفرهم ، ومع هذا التّجويز لا يكون قاطعا بنزول العذاب ، فلهذا قال : « أخاف عليكم » . وثانيها : أنّ حصول العذاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسّمع ، فلعلّ اللّه - تعالى - ما بيّن له كيفيّة هذه المسألة ، فلا جرم جوّز أنّ اللّه - تعالى - هل يعاقبهم أم لا ؟ . وثالثها : يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر ، كقوله في الملائكة : يَخافُونَ رَبَّهُمْ [ النحل : 50 ] أي يحذرون المعاصي خوفا من العقاب . ورابعها : أنه بتقدير أن يكون قاطعا بنزول العذاب لكنّه ما كان عارفا بمقدار ذلك العذاب فكان هذا الشّك راجعا إلى وصف العذاب لا في أصل حصوله ، والمراد بذلك العذاب إمّا عذاب يوم القيامة ، أو عذاب الطّوفان « 1 » . فإن قيل : إنه تعالى حكى عن نوح - عليه الصّلاة والسّلام - في هذه الآية أنّه أمر قومه بثلاثة أشياء :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 122 .