عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
174
اللباب في علوم الكتاب
روى أبو بردة عن أبي موسى عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها بقعة قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه به النّاس فشربوا وسقوا ورعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى ، إنّما هي قيعان لا تمسك ، ولا تنبت كلا ، فذلك مثل من فقهه في دين اللّه ، ونفعه بما بعثني اللّه به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به « 1 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 59 ] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) لمّا قرر المعاد بالدّليل الظّاهر أتبعه بذكر قصص الأنبياء لفوائد : أحدها : التّنبيه على أنّ إعراض النّاس عن قبول الدلائل والبينات ليس مخصوصا بقوم محمّد - عليه الصّلاة والسّلام - بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السّابقة ، والمصيبة إذا عمّت خفّت ، ففي ذكر قصصهم تسلية للرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - وتخفيف عن قلبه . وثانيها : أنّه تعالى يحكي في هذه القصص أنّ عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللّعن في الدّنيا ، والخسارة في الآخرة ، وعاقبة أمر المحقّين [ إلى الدّولة في الدّنيا ، والسّعادة في الآخرة ، وذلك يقوي قلوب المحقّين ] « 2 » ، ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها : التنبيه على أنّه تعالى ، وإن كان يمهل المبطلين لكنّه لا يهملهم بل يعاقبهم ، وينتقم منهم . ورابعها : بيان ما في هذه القصص من الدّلالة على نبوّة محمد - عليه الصّلاة والسّلام - لأنّه كان أميّا ، لم يطالع كتابا ، ولا تلمذ لأستاذ ، فإذا ذكر هذه القصص من غير تحريف ولا خطأ دلّ ذلك على أنّه عرفها بوحي من اللّه تعالى « 3 » . قوله : « لَقَدْ أَرْسَلْنا » جواب قسم محذوف تقديره : « واللّه لقد أرسلنا » . قال الزّمخشريّ « 4 » : فإن قلت : ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللّام إلّا مع « قد » ، وقلّ عنهم قوله : [ الطويل ]
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح 1 / 175 ، كتاب العلم : باب فضل من علم وعلّم ومسلم في الصحيح 4 / 1787 - 1788 ، كتاب الفضائل : باب بيان مثل ما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الهدى والعلم الحديث ( 15 / 2282 ) . ( 2 ) سقط من أ . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 118 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 112 .