عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
159
اللباب في علوم الكتاب
الإنسان على أكل الخبز ، وشرب الماء ؛ لأنّه إن كان شبعانا في علم اللّه فلا حاجة إلى أكل الخبز ، وإن كان جائعا فلا فائدة في أكل الخبز ، وكما أنّ هذا الكلام باطل ؛ فكذا فيما ذكروه ، بل نقول : المقصود من الدّعاء معرفة ذلّة العبوديّة ، ومعرفة عزّ الرّبوبيّة ، وهذا هو المقصود الأعلى من جميع العبادات ؛ لأنّ الدّاعي لا يقدم على الدّعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجا إلى ذلك المطلوب ، وكونه عاجزا عن تحصيله ، وعرف من ربّه ، وإلهه أنّه يسمع دعاءه ، ويعلم حاجته ، وهو قادر على دفع تلك الحاجة ، فإذا كان الدّعاء مستجمعا لهذين المقامين كان الدّعاء أعظم العبادات ، ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام : « الدّعاء مخّ العبادة » « 1 » . قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أجمع المسلمون على أنّ المحبة صفة من صفات اللّه - تعالى - واتّفقوا على أن ليس معناها شهوة النفس وميل الطّبع ، وطلب التّلذّذ بالشّيء ؛ لأنّ كل ذلك في حقّ اللّه - تعالى - محال ، واختلفوا في تفسير المحبّة في حقّ اللّه - تعالى - فقيل : هي عبارة عن إيصال الثّواب ، والخير إلى العبد ، والمراد ب « المعتدين » المجاوزين ما أمروا به . قال الكلبيّ وابن جريج : من الاعتداء رفع الصّوت في الدّعاء « 2 » . وقال أبو مجلز : هم الذين يسألون منازل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام « 3 » - . روي أنّ عبد اللّه بن مغفّل سمع ابنه يقول : اللّهمّ إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتها فقال : يا بني سل اللّه الجنّة ، وتعوّذ به من النّار ، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الظّهور والدّعاء « 4 » . وقال عطيّة : هم الّذين يدعون على المؤمنين ، فيما لا يحل فيقولون : « اللّهمّ أخزهم اللّهمّ العنهم » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 56 ] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) يدخل فيه المنع من إفساد النّفوس بالقتل ، وقطع الأعضاء ، [ وإفساد الأموال بالنّهب ، والغصب ، والسّرقة ، ووجوه الحيل وإفساد الأديان بالكفر والبدع ] « 5 » وإفساد
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه في السنن 5 / 456 ، كتاب الدعوات : باب ما جاء في فضل الدعاء الحديث ( 3371 ) وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 515 ) عن ابن جريج . ( 3 ) انظر : المصدر السابق . ( 4 ) أخرجه أبو داود ( 1480 ) وابن ماجة ( 3864 ) وابن أبي شيبة ( 10 / 288 ) . وصححه الحافظ ابن حجر في « تلخيص الحبير » ( 1 / 144 ) . ( 5 ) سقط من ب .