عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
145
اللباب في علوم الكتاب
ينكر أحد من السّلف الصّالح أنّه استوى على عرشه حقيقة ، وخصّ العرش بذلك ؛ لأنّه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء ، فإنّه لا تعلم حقيقته ، كما قال مالك - رحمه اللّه - : « الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول ، والسّؤال عن هذا بدعة » « 1 » ، وكذلك قالت أمّ سلمة - رضي اللّه عنها - ، وهذا القدر كاف « 2 » . فصل في معنى الاستواء فإن قيل الاستواء في اللّغة : هو العلوّ والاستقرار . قال الجوهريّ « 3 » : « استوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابّته أي : استقرّ ، واستوى إلى السّماء أي قصد ، واستوى أي : استولى ، وظهر ؛ قال الشاعر : [ الرجز ] 2484 - قد استوى بشر على العراق « 4 » واستوى الرّجل أي : انتهى شبابه ، واستوى الشّيء أي : اعتدل ، وحكى ابن عبد البرّ عن أبي عبيدة في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى قال : « علاه » . قال الشّاعر : [ الطويل ] 2485 - وقد خلق النّجم اليمانيّ واستوى « 5 » أي : علا وارتفع . قال القرطبيّ « 6 » : فعلوّ اللّه - تعالى - وارتفاعه عبارة عن علوّ مجده ، وصفاته ، وملكوته أي : ليس فوقه فيما يجب له من تعالي الجلال أحد [ ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكن العليّ بالإطلاق سبحانه ] . فصل في تأويل الآية قال ابن الخطيب « 7 » اعلم أنّه لا يمكن أن يكون المراد من الآية كونه مستقرّا على العرش ، ويدلّ على فساده وجوه عقليّة ونقليّة : أمّا العقليّة فأمور : أحدها : أنّه لو كان مستقرّا على العرش لكان من الجانب الّذي يلي العرش متناهيا ، وإلّا لزم كون العرش داخلا في ذاته ، وهو محال وكل ما كان متناهيا فإنّ العقل يقتضي بأنّه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرّة ، والعلم بهذا الجواز ضروريّ ، فلو كان الباري - تعالى - متناهيا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزّيادة والنّقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين ؛ لتخصيص مخصّص وتقدير مقدّر ، وكل
--> ( 1 ) وهذا هو الذي ندين به للّه - عز وجل - ونحشر عليه يوم القيامة . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 41 . ( 3 ) ينظر : تهذيب اللغة 13 / 123 . ( 4 ) تقدم برقم 346 . ( 5 ) تقدم برقم 345 . ( 6 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 141 . ( 7 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 83 .