عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

136

اللباب في علوم الكتاب

و « ما » مصدرية ويجوز أن تكون الكاف للتّعليل ، أي : تركناهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم . و « يومهم » يجوز أن يكون المفعول متّسعا فيه ، فأضيف المصدر إليه كما يضاف إلى المفعول به ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا ، والإضافة إلى ظرف الحدث أي : لقاء العذاب في يومهم . فصل في معنى « النسيان » في تفسير هذا النسيان قولان : الأول : هو التّرك والمعنى نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم ، وهذا قول الحسن ومجاهد والسّدّيّ « 1 » والأكثرين « 2 » . والثاني : أنّ المعنى ننساهم أي : نعاملهم معاملة من نسي ، نتركهم في النّار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا . وبالجملة فسمّى اللّه - تعالى - جزاءهم بالنّسيان كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] والمراد من هذا النسيان أنه « لا يجيب دعاءهم ولا يرحم ضعفهم وذلّهم » . قوله : « وما كانوا » « ما » مصدرية نسقا على أختها المجرورة بالكاف أي : وكانوا بآياتنا يجحدون . وفي الآية لطيفة عجيبة وهي أنّه - تعالى - وصفهم بكونهم كافرين ثم بيّن من حالهم أنّهم اتخذوا دينهم لهوا أولا ثم لعبا ثانيا ، ثم غرتهم الحياة الدّنيا ثالثا ، ثم صار عاقبة هذه الأحوال أنّهم جحدوا بآيات اللّه ، وذلك يدل أنّ حب الدّنيا مبتدأ كل آفة كما قال عليه الصّلاة والسّلام : « حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة » « 3 » ، وقد يؤدي حبّ الدّنيا إلى الكفر والضّلال . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 52 ] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) الضّمير في « جئناهم » عائد على كل ما تقدم من الكفرة ، والمراد ب « كتاب » الجنس . وقيل : يعود على من عاصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد بالكتاب القرآن ، والباء في « بكتاب » للتعدية فقط .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 510 ) عن ابن عباس ومجاهد . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 167 ) عن ابن عباس وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في « الأسماء والصفات » . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 77 . ( 3 ) ذكره السخاوي في « المقاصد الحسنة » رقم ( 384 ) وقال : أخرجه البيهقي في الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وقد تقدم تخريجه .